خالد العزي

العرب واستعادة الملفَّيْن السوري واليمني

6 دقائق للقراءة
من مظاهر التأييد لروسيا في دمشق يوم الجمعة الماضي (أ ف ب)

العالم يتغير ويرسم حدوده الجيوسياسية من خلال الحرب غير المباشرة التي تُخاض بين الغرب والروس على الأراضي الأوكرانية، فأين مصالح العرب منها؟ العالم الجديد يرسم حدوده ويشكل جبهة لعزل روسيا في الحرب الروسية - الأوكرانية.

الولايات المتحدة تحاول تجنيد الدول حول العالم للوقوف في صفها دون الاكتراث بالغير. لذلك بات على العرب التصرّف بهدوء وفقاً لمصالحهم والأمن القومي العربي. وما شهده الهجوم الأخير على المملكة العربية السعودية من المتمرّدين الحوثيين، مرفقاً بزيارة الرئيس السوري إلى الإمارات العربية المتحدة والاجتماع مع ولي العهد الإماراتي، بات يتطلّب من العرب تنفيذ استراتيجية الفرص بحسب مفهوم العلاقات الدولية، بحيث بات مطلوباً استعادة اليمن وسوريا في ظلّ اقتراب تنفيذ الإتفاق النووي مع إيران وشطب «الحرس الثوري» من قائمة الإرهاب، ما يعني أن فرصة العرب باتت على المحك بأخذ زمام المبادرة بالموضوعين في خضمّ الاشتباك الحاصل في أوكرانيا، حيث بات الموقف الروسي محشوراً لجهة العزلة التي يواجهها دوليّاً.

من هنا تُشير المعطيات إلى أن الأجواء الايجابية بدأت تلوح في المنطقة، وأن العرب اتخذوا قرار الإمساك بزمام الأمور وتوحيد موقفهم والتضامن والتعاون في ما بينهم، بعيداً عن الانصياع للإملاءات الخارجية، ولعل الإشارات الايجابية من السعودية تجاه لبنان التي برزت بمثابة أول الغيث لناحية الاقتناع بعدم ترك لبنان نهائيّاً لـ»حزب الله» وبالتالي لإيران، إذ يجب الاستعداد لخوض المعارك القادمة. إضافةً إلى ذلك، من المتوقع أن يلعب العرب دوراً مهمّاً في سوريا والتي لاحت بوادره من خلال الزيارة التي قام بها الأسد إلى الإمارات، وسط معلومات عن انسحاب روسي قريب من قاعدة حميميم في حال طالت الحرب الأوكرانية -الروسية. فهل يتلقف العرب الفرص لإعادة رصّ صفوفهم؟ وهل يتجاوب الأميركي مع المطالب العربية في اليمن وسوريا؟ الوجود الروسي في سوريا معرّض للانتكاسات الداخلية، خصوصاً في حال أُعيد فتح جبهة إدلب، لذلك على موسكو التنسيق مع العرب في حال طالت الحرب الروسية - الأوكرانية، إذ لن تستطيع روسيا تسيير جبهتين، وسيتمّ استنزافها. لذلك، فإن الاخلال بميزان القوى لن يكون لصالح روسيا وحلفائها، بل لصالح المعارضة السورية التي ستُحاول التكتل وحسم أمورها. وفي هذه الحال، ستكون قاعدة حميميم ضعيفة ولن تستطيع الطائرات الروسية التحليق فوق أي دولة باستثناء العراق أو إيران، ولن تتمكّن سفنها من عبور البوسفور والدردنيل بسبب العقوبات، للوصول إلى قواعدها. وفي ظلّ الجبهة المفتوحة في أوكرانيا، فإنّ روسيا لن تعمل على إبقاء هذه القوات في سوريا. وبحسب المعلومات، فإنّ روسيا تعمل على جلب متطوعين من سوريا لدعم الجبهة الأوكرانية، ويدخل ذلك في إطار الدعاية وخلط الأوراق، لأن روسيا لن تستطيع إخلاء المناطق السورية من المقاتلين، خصوصاً مقاتلي النظام، لأسباب عدّة، أهمها أن الأمور لم تنتهِ بعد، وبعض المناطق تُعاني من اضطرابات كما أن البلاد مقسّمة إلى 4 دويلات تتقاسمها كلّ من تركيا وإيران وروسيا والولايات المتحدة، هذا فضلاً عن التدخل الإسرائيلي. ما يعني أن سوريا ساحة حرب يُمكن أن تندلع في أي لحظة، والوجود الروسي العسكري الذي حسم المعركة عسكريّاً لصالح النظام وحلفائه لم يستطع طوال فترة 5 سنوات من حسم تغيير مسار الأزمة، أو تأمين عودة النازحين أو إعادة سوريا إلى الجامعة العربية أو فك حصار قانون قيصر عنها.

الموقف الحيادي الايجابي للعرب من الأزمة الروسية - الأوكرانية وعدم انضمامهم إلى العقوبات، وتحديداً مصر والإمارات والسعودية. وفي ظلّ وجود السعودية كعضو في «أوبك +» التي تتحمّل ضغوطاً من الولايات المتحدة لفك ارتباطها بـ»أوبك»... هذا كلّه يتطلّب من روسيا تقديم تنازلات للعرب، من أجل عدم تعويم انتاج البترول وتخفيض أسعاره. فموسكو التي رفضت اشراك العرب في الحوارات حول سوريا، وكانت تعتمد على الأتراك والإيرانيين في إتفاقات أستانا، عليها اليوم أن تُراجع حساباتها، لأنّ العرب سوف يُحاولون إقتناص الفرص وسيقومون بممارسة سياسة الأخذ والردّ في العلاقات الدولية. ووفقاً لذلك ستُقدّم روسيا تنازلات في دول كثيرة لأنها، شئنا أم أبينا، تعاني من حالة غير مستقرّة. وستطرح قاعدة حميميم في سوريا على طاولة التفاوض وسيكون لروسيا دور لا يُمكن وصفه بالايجابي أم السلبي، لأن شروط المعادلة والتغيّرات الجيوسياسية باتت تتطلّب منها تغيير موقفها في سوريا التي دخلتها بوساطة وطلب أميركي. اليوم يُحاصر الأميركيون موسكو من كلّ الجهات ويعملون على تشكيل عزلة دولية حولها وسيقتلعون منها كلّ المناطق، ومن ضمنها قاعدة حميميم. إذاً، المطلوب من العرب لعب دور ايجابي لانتزاع هذه الفرصة والدخول إلى سوريا ووضع النقاط على الحروف وإبعاد التركي والإيراني بكافة الوسائل الدولية التي تسمح بالالتفاف على هذه المشاريع. فالزجاج الروسي في سوريا يتعرّض لتفسّخ، وبأي لحظة قد يتغير الوضع وتتّخذ روسيا موقفاً حاسماً وتترك جبهة حميميم على ما هي عليه، وقد يكون ذلك بتنسيق مع قوى دولية لكي لا تتورّط أكثر، ويتم فتح جبهة عليها تتسبّب بإضعافها.

وبما أن روسيا دخلت إلى سوريا بالتوافق مع الولايات المتحدة، فإنّها اعتقدت أنها تستطيع أن تُمسك بملفات قد تسمح لها بمبادلة ملف أوكرانيا بالملف السوري، لكن الأميركيين عندما أدخلوا الروس إلى سوريا قالوا لهم بالحرف الواحد وبالفم الملآن إن «كلّ ملف يُعالج على حدة»، وملف سوريا مرتبط بالحماية الكاملة لأمن إسرائيل وبإخراج الإيراني من سوريا، بينما الملف الأوكراني مرتبط بالأمن الأوروبي، ولن يُسمح لروسيا باستخدامه للتفاوض في سلة كاملة، في الوقت الذي لم يُنتَج عن العلاقة الروسية - الأميركية طوال هذه السنوات سوى بعض الإتفاقات المتعلّقة بالأمن السيبراني وعدم دعم المعارضة الداخلية.

لذلك، لم تستطع روسيا إنجاز أي حل سياسي في سوريا إلى جانب العسكري لتوظيفه وفرض شروطها على العالم. وبالتالي فإنّ روسيا، بعد الحرب مع أوكرانيا، باتت عاجزة عن تأمين مطالب سوريا ولن تُفكّر بأي مشروع قادم قد يُساعد على استنهاضها. وأصبحت موسكو تعي أن الوضع في سوريا بات يُشكّل عبئاً عليها ولن يُقدّم لها أي بديل، وهي لا تُفكّر اليوم بمعادلة الخاسر والرابح، إنّما تعتبر أن أمنها القومي يتعرّض للخطر وبالتالي قد يكون تواجدها في سوريا على المحك. بالخلاصة، لا نستبعد خطوتَيْن: تسعير الجبهة ضدّ الروس وإغراق موسكو أكثر واستنزافها، وهذا ما يستدعي الانسحاب أو الغوص مباشرة في المعارك، أو التوصّل سريعاً مع دول معيّنة إلى تكليفها بمتابعة الوضع السوري، وهنا ربّما سيكون للعرب الدور الأفضل.