حاولت روسيا استخدام ديبلوماسية مكوكية في الشرق الآسيوي وتحديداً إلى بكين ونيودلهي من أجل بناء تحالف شرقي يضمّ إليه العديد من الدول الآسيوية لمواجهة الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، وتسويق فكرة بناء سلة العملات خارج الدولار واليورو، لكن جولة الوزير سيرغي لافروف فشلت ولم تنتج سوى الدعم المعنوي لموسكو ولم تستطع زيارته الإلتفاف على العقوبات ودفع الصين للمخاطرة بمواجهة مع الغرب.
لقد أشار وزير خارجية الصين وانغ يي خلال لقائه نظيره الروسي على هامش لقاء وزراء خارجية الدول المجاورة لأفغانستان في تونشي بمقاطعة آنهوي في الصين، الذي عُقِدَ في 30 و31 آذار الماضي إلى أن «العلاقات الروسية - الصينية صمدت أمام تحدّيات الوضع المتغيّر في العالم وحافظت على مسارها الصحيح»، في حين أكد لافروف أن «روسيا والصين وشركائهما سيتحرّكون معاً نحو نظام عالمي متعدّد الأقطاب وعادل، بناء على نتائج المرحلة الخطرة التي يمرّ بها تاريخ العلاقات الدولية». فهل ستُساعد الصين حليفتها روسيا للالتفاف على العقوبات؟
بكين لا تزال مصرّة على مواقفها القائمة على التفاوض وإنهاء الحرب وبالتالي الصين لن تقدّم لروسيا سوى الدعم الكلامي وليس العملي، وهذا ينطبق على دعمها في العام 2014 عند احتلال شبه جزيرة القرم وحدوث الحرب في دونباس، فالصين لم تعترف بضمّ شبه جزيرة القرم حتّى اليوم.
إن خطوة روسيا في الدخول إلى المستنقع الأوكراني وحّدت الأوروبيين مجدّداً والعالم حول الولايات المتحدة وأعطتها دوراً رياديّاً وقياديّاً، وأبعدت الصين لأنها غير مستعدّة اليوم للمجابهة والدخول في حرب عسكرية مع الولايات المتحدة، وأضعفت روسيا ودفعت بها إلى مستنقع استنزاف طويل. وطالما هذه الحرب مستمرّة ستكون موسكو مستنزفة ويتراجع دورها، لذلك المطلوب سريعاً إنقاذ روسيا بايقاف الحرب ودعوتها إلى الطاولة كي لا تنعكس هذه العقوبات على الوضع الداخلي والاقتصادي لروسيا.
ولاحقاً، يُمكن النقاش في كيفية تخفيف هذه العقوبات والخروج التدريجي منها. فماذا ينفع روسيا إذا احتلّت كييف في ظلّ اقتصاد منهار، خصوصاً أن النصر سيأتي بطعم الخسارة الكاملة لروسيا؟
تُحدّد الصين استراتيجيّتها في الأزمة الحالية من خلال ايجاد خيط مشترك في علاقاتها بين الغرب وروسيا. وبالرغم من كلّ محاولات الغرب الضغط على الصين، لم تنتقد بكين موسكو نتيجة غزوتها العسكرية في محاولة للعب على حافة الهاوية، لضمان الوصول إلى قلب الأسواق الغربية والأميركية من جهة، وضمان الحصول على النفط والغاز الروسيين من جهة أخرى، لكن انتشار «كورونا» مجدّداً في الصين سينعكس على موسكو.
الصين تعتمد الحياد الايجابي وأعلنت موقفها بأنها ضدّ الحرب بالأساس في أي منطقة، وبالتالي طلبت من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن يتخلّى عن عقلية الحرب الباردة والجلوس إلى طاولة المفاوضات. والصين تؤمن بثقافتها أنها غير معنية بالحرب من منطلق أن الحروب ليست الطريق الوحيد أو الأسلم التي قد تسلكها من أجل تحقيق قضية عالمية متوازية، إنما تقوم فلسفتها على النهوض الاقتصادي وبناء التحالفات الاقتصادية، لأنّ هذا العصر هو عصر الاقتصاد والمؤسّسات.
إن هذا الحياد الايجابي الذي تعتمده الصين من غير الواضح بعد مرور أكثر من 40 يوماً على المعركة إلى أين سيؤدّي، بالرغم من استخدامها لمصطلحات تريح موسكو، ولكن هل تنخرط الصين وتقوم بالإلتفاف على العقوبات أم أنها تنتظر ماذا ستُحقق روسيا على الأرض وكيف يتعامل الغرب والولايات المتحدة معها؟ بالطبع الصينيون أوعى وأهدأ من الروس وعقليّتهم براغماتية ويستطيعون الانتظار ونفسهم طويل جدّاً ويفهمون أن الوصول إلى القطبية العالمية ليس من خلال الاستعراضات العسكرية والعضلات، لا بل بالتفكير الاقتصادي والمنافسة، خصوصاً أنهم قطعوا شوطاً كبيراً في هذا التفكير.
كما أن الروس كانوا يُعوّلون كثيراً على الإلتفاف على العقوبات من خلال الصين، لأنّهم يبيعونها النفط والغاز التي هي بحاجة إليه، وهي ستُؤمّن لهم العملات الأجنبية والمشتريات الخارجية من الأسواق. وبالتالي هم ليسوا بحاجة إلى سلاح، بل إلى هذه الوسائل الاقتصادية، وهذا ما عرفناه من المطالب الـ11 الروسية المقدمة للصين ومن بعدها تمّ نفيها.
إلّا أن الصين أيقنت أنها في حال حافظت على توازن في العلاقة مع روسيا من جهة والغرب من جهة ثانية، فإنّ من شأن ذلك أن يصبّ في مصلحتها، خصوصاً أن ميزان التجارة العالمية للصادرات الصينية مرتبط بالولايات المتحدة ودول أوروبّية، وهي لا تُريد في هذا الوقت الصدام والدخول في معركة من أجل أحد.
هناك الآلات التكنولوجية والمصانع الأميركية الموجودة في الصين والصادرات التي تُقدّر بـ800 مليار دولار سنويّاً فقط إلى أميركا. لذلك، فإن الوقت ليس مناسباً للدخول في صراع لن يُحقق للصين أي خدمة، لأن التوتر الاقتصادي لن يكون لصالحها، خاصة أن العالم ما زال في طور الخروج من أزمة «كورونا». لهذا السبب، يبدو أن هناك نوعاً من الإتفاق الضمني على أن تلعب الصين دوراً رياديّاً وأن تعمل جاهدة على إيقاف الحرب بين أوكرانيا وروسيا، كونها هي طرف نظيف غير منحاز وتملك تأثيراً على بوتين ولها علاقة مع الولايات المتحدة وستكون الضامنة لروسيا، والولايات المتحدة ستكون الضامنة للأوروبّيين وأوكرانيا.
ومن هنا قد يبدأ النقاش بما هو الدور الذي ستلعبه الصين إلى جانب تركيا وإسرائيل والهند والعرب في ايقاف هذه الحرب الاقتصادية العالمية التي فُرضت على روسيا وقيّدت حركتها، بحيث باتت غير قادرة على الاستمرار في هذه الحرب التي ستكون كلفتها باهظة على الروس والأوروبّيين ولن يتحقق أي مطلب من مطالب موسكو، إذ فشلت عمليا في الحملة العسكرية.
وهكذا، ستلعب الصين دوراً مميّزاً، لأنّها تُفكّر بطريقة ليبرالية حديثة. لن تكون الصين البديل للروس للتفلت من العقوبات والإلتفاف عليها، لأنّ هذا العمل سيدفع بالشركات العالمية إلى محاصرة الصين والخروج منها وبالتالي ستخسر الصين أسواقاً كبيرة في العالم وستُفرض عليها عقوبات وتُقيّد حركتها. لن تُغامر بكين في هذا الوقت بالذات بالصراع مع الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي، والعالم يعرف أن الليبرالية الغربية لا تزال تمسك بالقرار الاقتصادي.