رمال جوني -

النبطيّة تكسر "تابو" الخوف... "الطريـق مقطوع لصيانة الوطن"

4 دقائق للقراءة
الآلاف في شوارع النبطية

لا تشبه النبطية حالها السابقة، مناخها العام تبدّل، خرج أهلها صغيرهم وكبيرهم، وبجرأة عالية للتعبير عن الوجع والمظلومية. كلٌّ حمل قضيته وأتى بها إلى ساحة الاعتصام أمام سراي النبطية الحكومي. منذ ثلاثة أيام والحشود تتزايد. ما يمكن استنتاجه وهو الانجاز الأول بالنسبة إلى الأهالي، هو أن التابو الذي كان مسيطراً على النبطية وأهلها "تم كسره". هذه المرة الفقر يتكلم والظلم يطلق العنان للكبير قبل الصغير كي يصرخ. حراك واسع فرض نفسه رغم بعض المناوشات او "الزعرنات" التي حصلت في اليوم الأول، من قبل "مندسين" إلا أن الحراك لم يتأثر بل استمر وبوتيرة عالية. وحده العلم اللبناني والنشيد الوطني والأناشيد الثورية هي الكلمة الفصل في التحرك الذي جمع كل فقراء لبنان والمقهورين تحت مطلب "إسقاط النظام" الذي سرق ونهب كل "خياراتهم"، لعل صرخة بائع اللوتو كانت أكثر وجعاً من غيره فالعم أبو علي، ابن الستين ربيعاً، يحمل أوراقه ويمضي في التظاهرة "جوعان ومحروم من حقوقي، الزعماء سرقوا كل شي ومعش باقي شي صار لازم يفلوا".

لا صوت يعلو فوق صوت الوطن

منذ ساعات صباح أمس والناس في الشارع، عند دار المعلمين تستقبلك صورة "عذراً الطريق مقطوع لصيانة الوطن" صورة بألف معنى وقضية رفعها عدد من شبان النبطية الفوقا الذين قطعوا الطريق بالسواتر الترابية ونصبوا خيمة الاعتصام. يقول ابراهيم "تحركنا لن ينطفئ، ولن نخرج من الشارع قبل تحقيق مطالبنا واستعادة المال المنهوب، فلا طرق جيدة ولا ماء، فاتورة الكهرباء ندفعها مرتين والمياه مرتين والهاتف مرتين والطبابة معدومة وكيف بدنا نعيش، بيكفي"، تشبه صرخته صرخة كل الشباب المقهور العاطل من العمل والمستقبل بعد توقف كل الدورة الاقتصادية في البلد.

رسم أبناء النبطية وقراها سياسة جديدة لمدينة لطالما كانت شبه مقفلة، ثلاثة أيام غيّرت هوية النبطية، الآلاف خرجوا في تظاهرة حاشدة جابت شوارع المدينة من أمام السراي الحكومي باتجاه نصب حسن كامل الصباح حتى شارع محمود فقيه، لم تشهد النبطية يوماً هذا الحشد الكبير من الناس، حتى في تظاهرات "حزب الله" و"حركة امل"، ما جمع الناس هذه المرة "القهر والجوع والوطن الموجوع"، تقول فاطمة معلمة متعاقدة إنها محرومة من التثبيت، رغم كفاءتها وكثيرات مثلها، في ظل استخدام الواسطة للآخرين، "إلى متى سنبقى ساكتين، حقنا أن نعيد بناء وطننا كما نراه" فيما تدعو الحاجة أم ياسر إلى حبس الزعماء واستعادة المال منهم لتسكير الدين العام "هكذا نعيد وطننا إلينا".

مشهد النبطية لا يختلف كثيراً عن المشهد عند دوار كفررمان النبطية المقفل بالكامل إلا للحالات الإنسانية، هنا المطالب تتعلق بإسقاط النظام وتغييره، وتتعلق أيضاً بحقوق الفقراء والضمان الاجتماعي والطبابة المجانية والكثير من الحقوق التي وحّدت كل موجوع في هذا الوطن، وحّدت الناس، فالفقراء كلهم خرجوا بكلمة واحدة إلى الشارع ليقولوا "فلّو قرفنا من سرقاتكم وكذبكم".

باللحم الحي توحّد الأهالي

عند جسر حبوش حيث خيم المعتصمون قُطع الشارع. حضور خجول للناس الذين يعتصمون باللحم الحي ويؤكدون أن "لا شيء يعلو فوق صوت الحق"، يقول ياسر إنه باقٍ في الطريق حتى تحقيق المطالب، ويؤكد أنهم "حاولوا فتحها ولكنه منعهم، فحقنا لن نسكت عنه مجدداً، بكفي شبعنا، الحد الأدنى للأجور لا يطعم خبزاً في بلد الضرائب، كفى".

أثبتت النبطية بحراكها السلمي والشعبي أنها مدينة ترفض مجدداً مصادرة قرارها ورأيها، شبابها وصغارها وكبارها كلهم يريدون العيش بكرامة، الكرامة الوحيدة الباقية، ويرفضون أن يصدّقوا أنّ المسؤولين عن سرقة البلد لعقود سيغيّرون المشهد خلال 72 ساعة. المحتجون يؤكدون أنهم "الثورة الحقيقية والتحرير الشعبي من قيود نظام جائر سرقهم وتركهم على ضفاف الحياة جوعانين"... ولن يخرج الشعب من الشارع حتى تتحقق المطالب.