حتى عندما اغتيل رئيس الجامعة الأميركية في بيروت، «مالكوم كير» في 18 كانون الثاني عام 1984 برصاص مسلحين خارج مكتبه، لم تتخذ إدارة الجامعة قراراً بالإقفال، أو باستحداث فرع أو فروع لها خارج لبنان. وهي التي تأسست عام 1866 أي منذ 156 عاماً.
لكنها اليوم اتخذت القرار: فرعٌ في قبرص، وآخر على الطريق في الإمارات العربية المتحدة.
في الحرب، اغتيالٌ لرئيس الجامعة، في السِلم (ولو الهش) «اغتيالٌ للجامعة».
حين تبدأ السنة الدراسية في قبرص (2023-2024) أو في الإمارات، مَن مِن الطلاب المسجَّلين في بيروت، سيبقى فيها؟ الإلتحاق بـ»بافوس» في قبرص، حيث مقر الجامعة، أو في دبي في الإمارات، سيكون مغرياً بالنسبة إلى الطلاب وأهاليهم: لا مشكلة انقطاع دواء أو مواد غذائية، لا مشكلة كهرباء أو محروقات، لا مشكلة ضعف في خدمات الإنترنت والهاتف. فلماذا يبقى الطالب في بيروت ولا يلتحق بـ»بافوس» أو دبي؟
وإذا لحقت الجامعة اليسوعية الجامعة الأميركية وافتتحت فرعاً لها في دبي، فماذا يبقى من التعليم الجامعي في لبنان؟ هل تُخلى «الساحة الجامعية» لدكاكين جامعية، باستثناء ما ندر؟ وهذه «الدكاكين» التي نبتت كالفِطر في عهد أكثر من وزير تربية، ولا سيما أحدهم الذي يملك جامعة وفتح باب الترخيص لجامعات عدة ما تسبّب في «ترخيص» المستوى الجامعي إلى حدوده الدنيا.
بين جامعات عريقة تهاجر، وجامعات لديها «مراكز بيع للشهادات» و»بأسعار تناسب الجميع»، وبين الجامعة اللبنانية التي يتدهور مستواها بشكلٍ مريع، بسبب وضع اليد عليها من قوى الأمر الواقع، ماذا يبقى من تعليمٍ جامعي في لبنان؟
إنها أخطر أنواع الهجرة، فحين تهاجر الجامعات، يلحقها جيل الشباب لأنهم لا يريدون أن يتعلّموا في جامعات غير معترف بشهاداتها لسببين: الأول، المستوى المتدني، والثاني بيع الشهادات.
كان يُقال: «مَن فتح مدرسة أغلق سجناً» اليوم يُقال: «مَن هجَّر جامعةً يقتل عاصمةً».