من الصعب الاعتقاد بأن ما توصلت إليه المشاورات اليمنية في الرياض، في الساعات الـ24 الماضية معزول عن محادثات فيينا، وعن اللقاءات التي تجرى بين الجانبين الأميركي والإيراني من جهة والسعودي والإيراني من جهة أخرى.
إعلان الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي عن نقل صلاحياته كاملة إلى مجلس قيادة رئاسي أول من أمس، وتحديد البيان الختامي للمؤتمر التشاوري بين الأفرقاء اليمنيين في ختام زهاء أسبوع من الاجتماعات، ينقلان الحرب في اليمن إلى مرحلة جديدة تمهد لحلول سياسية للصراع الذي تسعره طهران منذ أكثر من عقدين من الزمن. فالبيان الختامي فوض مجلس القيادة الرئاسي الجديد بالتفاوض مع الحوثيين الذين غابوا عن مشاورات الرياض، لكن التقارير الدبلوماسية تقول إن ملائكتهم كانت حاضرة، عبر فرقاء حلفاء لهم وينشطون إلى جانبهم في صنعاء وسائر الأراضي اليمنية سياسياً وعسكرياً.
يؤشر تخلي الرئيس هادي عن صلاحياته للمجلس الرئاسي إلى تحقيق مطلب شكلي كان الحوثيون طرحوه منذ بداية الحرب من أجل تبرير استمرار تعنتهم، بتنحي الرئيس اليمني عن الرئاسة بذريعة أنه غير شرعي، لأنه كان انتخب عام 2012 لمرحلة انتقالية لمدة سنتين إثر انتفاضة الشعب اليمني ضد سلطة الرئيس الراحل علي عبدالله صالح.
إلا أن الاستجابة لمطلب الحوثيين الذين برروا احتلالهم صنعاء في العام 2014 بدعم وتسليح إيرانيين لم تكن لتحصل بعد انقلاب الحوثيين على الاتفاقات التي كانت رعت إنهاء تمردهم على الشرعية بإدارة إيران والحرس الثوري الإيراني، لأنه لم تكن هناك أي ضمانة بأن يلبي «أنصار الله» أي من بنود الاتفاقات السياسية التي رعتها الأمم المتحدة ومجلس التعاون الخليجي، والأساس فيها انسحابهم من العاصمة وتسليم السلاح الثقيل والمؤسسات التي احتلوها للشرعية والاعتراف بها...
من المنطقي، بعد نتائج مشاورات الرياض أمس أن يتوقع المرء أن تكون القنوات الخلفية للتفاوض السعودي الإيراني، والأخيرة كانت في مسقط في سلطنة عُمان، قد توصلت إلى ما يشبه السيناريو الذي يفترض أن يعقب ما بعد تخلي هادي عن صلاحياته. ومن جهة ثانية فإنه من المنطقي أيضا اعتبار أي تقدم مرتقب في التفاوض الأميركي الإيراني في فيينا، قد يقرب الإعلان عن التوصل إلى إنجازه، نتاج استجابة إيرانية لمطلب واشنطن من طهران أن تتراجع عن تأجيج الصراعات الإقليمية المزعزعة للاستقرار، ولا سيما في اليمن، إذا كانت ستصر على مطلب رفع الحرس الثوري الإيراني عن قائمة الإرهاب الأميركية. أي أن طهران يفترض أن تسلف إدارة الرئيس جو بايدن تهدئة إقليمية ووقف تدخلاتها في عدد من ميادين النزاعات في الإقليم.
بعد تنحي الرئيس اليمني لمصلحة مجلس القيادة الرئاسي وتفويضه كامل صلاحياته وكذلك الحكومة، فإن الامتحان سيكون في استجابة الحوثيين التي ستكون مؤشراً للموقف الإيراني.
الأيام والأسابيع المقبلة يفترض أن تختبر توقعات بعض الأوساط الدولية بأن تتخلى طهران عن تشددها في اليمن، لأن التمسك بالحوثيين فيه ليس أولوية لها، بقدر أولوية التوصل إلى اتفاق في فيينا يؤدي إلى رفع العقوبات عنها وعن عدد واسع من قادة الحرس الثوري.
أطلق البيان الختامي لمشاورات الرياض مرحلة ترقب لمدى تراجع طهران عن استخدامها ورقة الحوثيين، الذين قد يضطرون إلى القيام بتنازلات تسمح بتطبيع العلاقات اليمنية السعودية ومع سائر دول الخليج، التي تعتبر في المقابل أن إنهاء حرب اليمن أولوية لها، نظراً إلى حال الاستنزاف التي شكلتها للدول المحيطة بمسرح الحرب.
إذا صح أن طهران لا تعتبر مواصلة دعم الحوثيين أولوية بالنسبة إليها، فإن هذا سيكون في المقابل تأكيداً على أن اولويتها هي في تثبيت نفوذها في لبنان وسوريا عبر «حزب الله»، الذي يؤمن لها منفذاً بل منافذ على شرق البحر الأبيض المتوسط.