يوسف مرتضى

عطب الذات هو العنوان الجامع بين الثورتين السورية واللبنانية

11 نيسان 2022

02 : 00

ما يستدعي استحضار العنوان السوري، هو حالة التشرذم التي أصابت مكونات قوى التغيير اللبنانية عشية التحضير للانتخابات النيابية.

فقوى الثورة السورية التي انطلقت بتظاهرات سلمية مليونية في مختلف المدن والمحافظات، وقعت في فخ النظام الذي نجح في استدراج بعض فصائلها الإسلامية المنخرطة في الثورة، والتي وجدت في هذا الحدث، فرصة لخطف الثورة والانقضاض على النظام، باعتبارها الفصيل الوحيد المؤدلج والمنظم في حالة سرية كامنة منذ ثمانينات القرن الماضي. ورغم تنبّه بعض المتنورين في الثورة لهذا الخطر، وسعيهم الدؤوب لتنظيم صفوف الثوار وتأطيرهم في حركة معارضة تحمل برنامجاً للتغيير الديمقراطي في سوريا، إلا أن جهود هؤلاء وعلى رأسهم برهان غليون أول رئيس للمجلس الوطني السوري وصاحب كتاب عطب الذات والمناضل الشهيد ميشال كيلو وغيرهما، قد باءت بالفشل. وهكذا تشتتت قوى المعارضة إلى منصات تديرها مراكز قوى خارجية ذات مصالح جيوسياسية واقتصادية في سوريا، منصة روسية، منصة سعودية، منصة تركية، منصة مصرية، منصة أميركية....الخ. وأصبحت سوريا بلداً محتلاً ومنصة لأكثر من دولة إقليمية وشرقية وغربية. وبعد أحد عشر عاماً من الحرب والصراع والتهجير والتشرد والتشرذم لم يجد الشعب السوري طريقه بعد إلى الحلّ، لأنه تحول لعبة دومينو إقليمية ودولية.

أما في لبنان، فقد تمكّنت ثورة 17 تشرين منذ الأيام الأولى لانطلاقتها من إسقاط حكومة التفاهمات الرئاسية والمعرابية والمارمخايلية برئاسة سعد الحريري، وكادت أن تسقط ما تبقى من أعمدة الهيكل التحاصصي ذاك، لولا تجنّد القوة الضاربة لحراس هيكل الفساد المتمثّل بـ»حزب الله» في الانقضاض على الثورة، بالتصدي العنفي للثوار تارة وبشحذ السلاح الطائفي والمذهبي تارة أخرى في مواجهة ثوار شعارهم بناء دولة المواطنة، بديلاً لمزرعة التحاصص الطائفي والزبائني.

لقد الهبت ثورة 17 تشرين المشاعر الوطنية لدى شرائح واسعة من اللبنانيين شباباً وشيباً، من مختلف الفئات الاجتماعية، وعلى امتداد الوطن من أقصاه إلى أقصاه. وتحولت ساحات المدن الكبرى في مختلف المحافظات والأقضية منابر للحوار والنقاش، حول الأسباب الكامنة في ما وصلت إليه البلاد من أزمات وسبل الخروج منها. إلا أن عوامل عدة تجمّعت في توقيت متزامن، تعنيف الثوار من قبل الأجهزة الأمنية وأحزاب المنظومة، ما أخاف العائلات ودفعها إلى الإحجام عن الحضور والمشاركة في التحركات من جهة، وحلول وباء «كورونا» وما رافقه من تدابير منع تجول، الأمر الذي ضيّق على الثوار حركتهم، من جهة أخرى. هذا فضلاً عن التوسع في انتشار البطالة وارتفاع سعر الصرف والارتفاع الجنوني بأسعار المحروقات والمواد الغذائية والأدوية والاستشفاء، ما أدى إلى التراجع في الحشد لضيق اليد عند الناس لدى الدعوة للتحركات الشعبية.

وهناك عامل مهم أيضاً ساهم في عدم القدرة على الحشد الجماهيري، تمثّل في محدودية قدرات القوى المعارضة المُنظمة قبل الثورة، وحداثة القوى الناشئة بعد الثورة وتعددها في مجموعات كثيرة مناطقية وأحيائية، ما صعّب تنظيم صفوف الثوار وتوحيد جهودهم وطاقاتهم.

لقد صُرفت آلاف الساعات، تحديداً بعد انفجار 4 آب المشؤوم في الحوار بين القوى والمجموعات الأساسية في الثورة من أجل تشكيل جبهة معارضة سياسية، وفق رؤية سياسية محددة تواجه المنظومة الحاكمة من جهة، وتحمل برنامجاً واضحاً لإعادة بناء الدولة وفق قواعد القانون والدستور من جهة ثانية.

وعلى صعوبة دمج مجموعات ليست ذات خبرة سياسية ولا يجمع بينها إلا شعارت عامة، غير أن الحوارات المكثفة بين العديد منها، قد أثمرت في مراحل معينة، تأسيس «جبهة المعارضة اللبنانية «التي تشكلت من عدد من المجموعات المدنية الناشئة وحزب الكتائب وحركة الإستقلال، ونداء 13 نيسان الذي تشكل من حوالى 16 مجموعة ثورية وكان ذلك بمبادرة من « تحالف وطني، المرصد الشعبي لمحاربة الفساد، حزب الكتلة، بيروت مدينتي». كما تشكلت عدة تكتلات أخرى، جمعت بداخلها مجموعات وافراداً.

طيلة عامي2020 و2021، عقدت مئات الاجتماعات، وحصل العديد من المداخلات للتقريب بين جبهة المعارضة ونداء 13 نيسان والتكتلات الأخرى لتنظيم صيغة للعمل المشترك في ما بينها أو توحيد صفوفها تحت سقف سياسي معين، إلا أن جميع تلك المحاولات اصطدمت برفض بعضها فكرة التعاون مع الأحزاب التقليدية، حزب الكتائب وحركة الاستقلال، والتنظيم الشعبي الناصري والشيوعيين، من خلفية شعار «كلن يعني كلن»، وكان جمع الشيوعيين مع التقليديين الآخرين من باب التوازن بالموقف بين اليمين واليسار عند البعض، والحرص على حصر أي إئتلاف ثوري معارض فقط بالقوى المتوالدة من خارج قوى التقليد المشار إليها سابقاً عند البعض الآخر.

هكذا، وبالاقتراب من تاريخ الاستحقاق الانتخابي، انصبت اهتمامات تلك المجموعات بائتلافاتها المختلفة على محاولة البحث في كيفية تشكيل لائحة ثورية معارضة واحدة في كل دائرة انتخابية، بهدف خلق موجة ثورية تسمح باستنهاض الجماهير الموجوعة من سياسات المنظومة الحاكمة لتقترع بكثافة لقوى التغيير وإيصال أكبر كتلة نيابية تحمل أهداف وقيم 17 تشرين. وبرز في هذا المجال عامل ايجابي مهم جداً تمثّل بظهور منصتين ماليتين لبنانيتين مدعومتين من الاغتراب اللبناني، تدعمان تلك الفكرة لتحويلها حقيقة ملموسة بتوفير كل ما يلزم من دعم مادي وإعلامي وإعلاني للوائح المفترض أن تحمل اسماً واحداً في الدوائر الـ 15. غير أنه للأسف لم يأت حساب الحقل على حساب البيدر، حيث أنه بعد التوافق بين المجموعات الأساسية على ترك مسألة تشكيل اللوائح لائتلافات المناطق، أي اعتماد اللامركزية في تشكليها، برزت عقبات كثيرة في تطبيق هذا التوجه ما عدا في دائرتين أو ثلاث نتيجة عدم قدرة المجموعات المحلية على التوافق على لائحة واحدة أو التزام المعايير المتفق عليها في اختيار المرشحين، ما أدى إلى التشرذم في تشكيل اللوائح. ومن دون أدنى شك كان للخلاف الذي نشأ بين منصتي نحو الوطن وكلنا إرادة إنعكاس سلبي على الترشيحات وتشكيل اللوائح، يضاف إلى ذلك أنانية الأفراد والمجموعات في الترشح واختيار المرشحين. وهكذا تبددت طموحاتنا بتشكيل لائحة واحدة لقوى التغيير في كل دائرة، وخسرنا بذلك فكرة التسمية الموحدة للوائح قوى التغيير ما سوف يؤدي إلى خسارة الموجة التي كنا نتوقعها. ومهما قيل عن محاولات وسعي أحزاب السلطة للتدخل في تشكيل لوائح قوى التغيير، وقد يكون الأمر صحيحاً في بعض الأحيان وفي بعض الدوائر، إلا أن المسؤولية تقع بالدرجة الأولى على المجموعات الثورية نفسها وعلى منصتي الدعم بدرجة ثانية.

مع كل ما تقدم من إضاءات على واقع الحال غير أن هناك أسباباً موضوعية حالت هي أيضاً أو أعاقت توحيد صفوف قوى الاعتراض والتغيير، تكمن في طبيعة النظام الأمني - التحاصصي الذي نشأ بعد اتفاق الطائف في حقبتي هيمنة الوصاية السورية وحقبة سطوة قوى تفاهم مار مخايل على السلطة، اللتين شوهتا طبيعة النظام الديموقراطي، فغيّبت المعارضة السياسية في الحكم وفي الشارع، كما هي الحال في النظام السوري أيضاً. وولادة قوى التغيير في الشارع بعد الانفجار الاجتماعي تحتاج إلى وقت كي تنضج وتنظّم صفوفها.

لكن المهم أن نتعظ من التجربة السورية وأن لا ندع القوى الخارجية تؤثر في استمالة البعض لنتحول منصات كما هي حال بعض أحزاب السلطة اليوم من منصات سعودية إلى أخرى إيرانية، خاصة وأنه من غير المستبعد مع تفاقم الأزمة اللبنانية، وما ستؤول إليه التطورات الإقليمية والدولية أن نكون مقبلين على مؤتمر دولي يرسم خارطة لبنان المستقبلية، في سان كلو جديدة أو ما شابه؟؟ وإنني على قناعة بأن لا خلاص للبنان إلا بامتلاك نخبه وقياداته القرار الوطني المستقل، والخلاص من علتي الطائفية والارتهان للخارج.

واخيراً، وعلى رغم تعدد لوائح قوى الاعتراض والتغيير، يحدونا الأمل بأن أكثرية الشعب اللبناني المكتوية بنيران سياسة المنظومة الفاسدة، أن تتجه للاقتراع لقوى التغيير التي تراها أكثر تعبيراً عن طموحاتها، وأن تحجم عن إعطاء أي صوت لقوى وأحزاب السلطة، بهدف إيصال كتلة نيابية وازنة، تحمل برنامج التغيير المنشود مدعومة بحركة الشارع التي لا بد من أن تعيد تنظيم صفوفها.