بعد هذه العودة القوية في العقد الثاني من القرن الجديد، من المستبعد أن تُكرر الولايات المتحدة الإنجاز نفسه خلال العقد الثالث منه. غالباً ما تُمهّد العقود الناجحة لفترات من الانكماش الحتمي. كان الازدهار في العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين يحمل تصدعات واضحة أصلاً حين انتشر وباء كورونا وسرّع الانهيار.
لا يعني ذلك أن الولايات المتحدة ستتراجع بالضرورة خلال السنوات المقبلة أو أن الصين قد تتجاوزها وتقود الاقتصاد العالمي. بل إن واشنطن قد تمرّ على الأرجح بعقدٍ عادي، فتشهد شكلاً من الركود بدل أن تزدهر. وقع هذا البلد ضحية نجاحه بعد العودة القوية التي عاشها، ويبدو أن الأسواق بدأت ترصد هذا التحول الوشيك منذ الآن: رغم استمرار حرب أوكرانيا التي تلقي بظلالها على الأحداث اليوم، تفوّقت سبعة أسواق أسهم ناشئة من أصل عشرة على الســـوق الأميركي حتى الآن في العام 2022. تواجه الصين بدورها أعباء ديون هائلة، ويزيد وضعها صعوبة بسبب التحديات التي تطرحها شيخوخة السكان المتسارعة. من المتوقع إذاً أن يظهر الفائزون خلال العقد المقبل من مناطق أخرى من العالم.عصر الأسواق الناشئة
إذا انتقلت الولايات المتحدة فعلاً من الازدهار إلى الكساد أو وقفت جانباً بكل بساطة خلال فترة زمنية معينة، قد تتفوق الاقتصادات الناشئة خارج الصين. بدأت جائحة كورونا والحرب في أوكرانيا تلقيان بظلالهما القاتمة على الفرص التي تملكها الدول الناشئة، لكن من المتوقع أن يزدهر عدد كبير من هذه البلدان خلال السنوات المقبلة. تُعتبر معظم الدول في أفريقيا وأميركا اللاتينية والشرق الأوسط من كبار منتجي السلع الأساسية، وستصبح صادراتها أكثر قيمة تزامناً مع تراجع اتكال العالم على الإمدادات الآتية من روسيا.
قبل الغــزو الروسي لأوكرانيا، حرصت الاقتصادات الناشئة التي تتكل على صادرات النفط والمعادن، ومنتجات المزارع، وسلع أخرى، على توحيد صفوفها. في الوقت نفسه، أدت الحملة الرامية إلى بناء اقتصاد عالمي أكثر خضاراً إلى ارتفاع الطلب على الطاقة والمواد الخام مقابل زيادة مصاعب الاستثمار في حقول النفط الجديدة أو مصاهر الألومنيوم أو مناجم النحاس. نتيجةً لذلك، نشأت ظاهرة "التضخم الأخضر" (Greenflation)، أي زيادة أسعار السلع بسبب الضغوط البيئية، وقد تدوم هذه الحالة في معظم فترات هذا العقد وتتزامن مع دخول إمدادات جديدة إلى السوق العالمي ببطء شديد. يُفترض أن تزيد هذه الدورة التصاعدية المستجدة حظوظ كبار المصدّرين مثل البرزايل، والمملكة العربية السعودية، وجنوب أفريقيا.
لا يعني ذلك أن تتكرر أحداث العقد الأول من هذا القرن، حيث تسارع النمو في معظم الاقتصادات الناشئة نتيجة مجموعة مثالية من العوامل العالمية، بما في ذلك توسّع التجارة سريعاً وارتفاع أسعار السلع الأساسية. كان ذلك الازدهار متناغماً على نحو مريب وغير مألوف، لكنه أدى إلى انتشار توقعات حول بدء "قرن الأسواق الناشئة".
لكنّ الاقتصاد العالمي بعد العام 2020 مختلف. يبدو أن الفوائض التي أنتجتها فترات الازدهار في الولايات المتحدة تضاهيها بؤر قوية في الدول الناشئة، وتحديداً في المناطق التي تتراوح بين شرق أوروبا وجنوب شرق آسيا، وفي قطاعات مثل التصنيع والموارد الطبيعية والتكنولوجيا الرقمية. غفل الكثيرون عن هذه الاحتمالات عموماً لأن قصص النجاح في العالم الناشئ كانت محصورة سابقاً في اقتصادات التصنيع والتصدير مثل تايوان أو كوريا الجنوبية أو الصين بحد ذاتها. لكن في ظل تراجع حصة قطاعَي التصدير والتصنيع من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، أصبح هذا المسار ضيقاً أكثر من أي وقت مضى لكنه لم ينغلق بالكامل بعد. بدأت المصانع التي تبحث عن يد عاملة أقل كلفة أو طرقات شحن قصيرة تخرج من الصين، وهي تقدّم دعماً قوياً لعدد من الدول المنتقاة مثل بنغلادش وكمبوديا وفيتنام.
لا شيء يسرّع الإصلاحات أكثر من الأزمات، لذا كان من الطبيعي أن تطلق أزمة بحجم جائحة كورونا موجة إصلاحية واسعة. لم تستطع الدول الناشئة أن تقترض الأموال وتنفقها لتخفيف تداعيات الوباء على اقتصاداتها مثلما فعلت الولايات المتحدة. بل اضطر عدد كبير منها لإقرار إصلاحات يُفترض أن ترفع مستوى الإنتاجية والنمو في نهاية المطاف. بدأت الهند العمل على خصخصة جزء من شركاتها المتعثرة والمملوكة للدولة، وخفّضت أندونيسيا الضرائب وجعلت قوانين العمل أكثر تساهلاً، وتعمل السعودية على تخفيف حواجز الهجرة. يجري العمل أيضاً على إطلاق حملات إصلاحية مماثلة في مصر، والإمارات العربية المتحدة، ودول ناشئة أخرى.