رأى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال مؤتمر عبر الفيديو مع كبار المسؤولين الإثنين أن العقوبات الغربية تهدف إلى «تقويض الوضع المالي والاقتصادي في بلدنا بسرعة، وإثارة الذعر في الأسواق، وانهيار النظام المصرفي ونقص واسع النطاق من البضائع في المتاجر». لكن رئيسة البنك المركزي الروسي إلفيرا نابيولينا قدّمت تقييماً سلبيّاً بعيد المدى أمام مجلس النواب. وقالت للمشرّعين إنّه «في حين أن تأثير العقوبات كان إلى حدّ كبير على الأسواق المالية في البداية، فإنّه سيبدأ الآن في التأثير بشكل متزايد على القطاعات الحقيقية للاقتصاد».
فشلت روسيا في فرض تسعير الغاز مع الخارج بالروبل لعدم تجاوب الآخرين مع طرح بوتين الذي كان يعتبر تنفيذه في 31 آذار لتحويل الاشكالية مع الغرب، كونها مشكلة غاز فقط والالتفاف على العقوبات للحصول على العملات الصعبة التي تحتاجها روسيا، لكن هذا التصرّف من أجل شدّ عصب الشعب الروسي المحاصر بالعقوبات. تُعتبر العقوبات المفروضة على روسيا جرّاء غزوها لأوكرانيا، من أكبر العقوبات التي فُرِضت على دولة في العالم بغية ردعها وشل حركتها، والهدف منها أذية روسيا. وبغض النظر عن قوة روسيا، فالمسألة هنا لا علاقة لها بالقوة، لأن أي دولة مهما عظُمت، تتحوّل في العُرف الدولي، بمجرّد خرقها لحدود وسيادة دولة أخرى، إلى معتدية وتتوحّد كلّ الأطراف في وجهها. وكلّما توغلت هذه الدولة في حربها، سيفرض عليها مزيد من العقوبات. حتّى أن بعض الدول التي لم تنخرط تاريخيّاً في أي صراع بعد الحرب العالمية الثانية، انضوت إلى جانب الدول الأخرى في مظلّة واحدة لمواجهة روسيا. ويعود ذلك إلى الخوف من تكرار مآسي الحرب العالمية الثانية التي نسيها العالم واتجه نحو الاستقرار والرفاهية والتبادل التجاري.
مهما حاولت روسيا إغراء بعض الدول كالصين والهند وتركيا بالتعامل بالروبل، إلّا أن هذا الكلام وقتي لأن السوق والشركات لا ترتبط بالدول أو بسياستها ومحبتها أو بغضها لبعضها البعض، إنّما بـ»سيستام» مالي عالمي يتصرّف به العالم وفقاً للمفاهيم الاقتصادية الحديثة التي ترتبط بالدولار. والولايات المتحدة تقول للعالم: إذا لم يعجبكم عليكم التفتيش عن سلة أخرى غير «الدولار»، لكن هذه السلة غير موجودة.
ومن هنا، فإنّ التعامل بالروبل أو اليوان ليس البديل وبالتالي هناك منتجات على السوق الروسية التزوّد بها من الغرب كالسلع التكنولوجية المتعلّقة بتنقيب وتصفية البترول والغاز وأخرى ثقافية، وتبادل العملات الخارجية والدفع والاستلام بالدولار. إن هذه العقوبات عاجلاً أم آجلاً ستؤثر على المجتمع الروسي وعلى القدرة الشرائية للشعب وسيكون هذا الضغط الاقتصادي قاسياً جدّاً، وهو ما تريده الولايات المتحدة، أي إغراق روسيا في هذا المستنقع لثنيها عن لعب أي دور قادم. الاقتصاد عصب الحياة وأساس رفاهية المجتمع. وعندما يكون المجتمع في حالة حظر وجوع وعوز، فإنّه لا يستطيع التفكير لا بالتصنيع ولا بالتطوّر.
لقد أبعدت روسيا نفسها عن السوق العالمية وهي غير مجهزة للصناعات الخفيفة، ويعتمد اقتصادها على ثروة يتمّ بيعها كالغاز والنفط والغابات والمعادن الطبيعية وثروة السلاح. كما أنها لا تصنع ثياباً أو هواتف أو أجهزة كومبيوتر، روسيا اليوم تستورد كلّ شيء عكس الاتحاد السوفياتي سابقاً. بعد العام 1989، روسيا أصبحت أكبر سوق مدلّل. ومُنِع الروس من شراء الحاجيات والماركات من المآكل والملابس وحتّى السفر والرفاهية. وأُقفلت المحلات التي كان يترفه بها الروسي من «ستارباكس» والـ»ماكدونالدز» والمطاعم الغربية التي كان يتباهى الروس في الدخول إليها، وأيضاً تلك التي كانت تنتج ماركات عالمية كـ»أديداس» و»سامسونغ» و»آيفون»...
كلّ هذا سيجعل الروسي ينظر إلى حكومته بأنه يُعاقَب. يُعاقب على ماذا؟ على ذنب لم يرتكبه! إذ لم يعادِ أحد دولته بل إن دولته تصرّفت بطريقة لتكبير موقعها وأرضيّتها. إن الأمر لن يقتصر على روسيا، بل سيطال أيضاً الدول التي ستلتف على العقوبات لمساندة روسيا اقتصاديّاً، لذا المطلوب من الشعب الروسي أن ينتفض ويدفع بوتين لاتخاذ قرار جريء بإيقاف الحرب فوراً والجلوس الى الطاولة مع أوكرانيا، والنقاش بالشروط التي تتذرّع بها روسيا من أجل ضمان أمنها، إذا كانت محقة، لكن عليها في الوقت نفسه ألّا تتمسّك بمطالب قد تؤدّي بها إلى مزيد من الغرق والاختناق في ظلّ هذا الحصار الهائل والمتزايد يوماً بعد يوم.
وتأثير العقوبات الغربية على الغزو الروسي لأوكرانيا، وقدرتها على إضعاف قبضة بوتين على السلطة، لا تزال غير مؤكدة بعد شهرَيْن تقريباً من الحرب، ما دفع بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للتشاور مع الرئيس الأميركي جو بايدن من أجل التحضير لدراسة حزمة سادسة من العقوبات ضدّ موسكو وإقناع الدول الأوروبّية الأخرى في تبنّيها. وقال النائب الأوّل لوزير الخزانة الأميركي أديوال أديمو إن الولايات المتحدة مهتمة بحقيقة أن تحذو كافة الدول حذوها وتبدأ بفرض عقوبات على روسيا، مشيراً إلى أن المرحلة التالية من العمل ستكون «تفكيك الآلة العسكرية الروسية إلى أجزاء».
وبينما يُفيد الخبراء بأنّ روسيا تواجه قنبلة اقتصادية موقوتة مع انخفاض مخزونها من السلع والأجزاء المستوردة، يستخدم بوتين حقيقة أن الاقتصاد الروسي لم ينهَر بعد لتعزيز زعمه بأن العقوبات لن تردعه. إذاً، الاقتصاد بات يتحكّم في العالم، ورأس المال جبان يحمي نفسه، وبالتالي فإنّ الشركات، إلى أي دولة انتمت، لن تُعرّض نفسها لمخاطر ولن تدخل في مواجهة خوفاً من خسارة مدخولها.
وأكبر مثال على ذلك، عندما فرض الحصار على إيران، خرجت الشركات الروسية والبرازيلية والصينية من إيران، بالرغم من التحالف الإيراني مع الصين وروسيا. وهذا ما شهدناه أيضاً في سوريا في ظلّ عقوبات قيصر المفروضة عليها، حتّى روسيا الموجودة عسكريّاً في سوريا، لم تستطع شركاتها خرق الحصار وتأمين حتى باخرة بنزين أو مازوت للنظام السوري، فضلاً عن أن طائرات الـ»إيروفلوت» لا تحط في مطار دمشق خوفاً من تعرّضها لعقوبات دولية، وتُمنع بالتالي من الدخول إلى الأسواق العالمية واستخدام البنوك الدولية في تعاملها ودفعها وقبضها للأموال.