14 آذار 2005 (إنتفاضة الدم)... 17 تشرين الأوّل 2019 (ثورة الواتساب)
أربعة عشر عاماً. أربعة عشر ربيعاً وخريفاً وعشرات عشرات محطات القلق والوجع واليأس والإحباط. أتتذكرون؟ أتتذكرون وجوه هؤلاء الشباب والشابات الذين افترشوا الأرض في العام 2005 وساهموا في صناعة الثورة الجميلة؟ لكن ماذا عن ثورة اليوم؟ هل تُشبه ثورة سالفة ما زال يترحم عليها كثيرون؟ وماذا عن دورِ الأحزاب اليوم؟
الشباب كبروا أربعة عشر عاماً. هو عمرٌ. وزادتهم السنون نضوجاً وباتوا قادرين على قراءة الأمور في شكلٍ أفضل.
منى فياض، الدكتورة في علم النفس والأستاذة الجامعية، كانت يوم اندلعت الثورة الجديدة في منطقة الحمراء. ويومها، استغربت كمّ الدراجات النارية التي كانت تعبر في الجوار. وشعرت، منذ تلك اللحظة، أن أناساً مدسوسين بدأوا "ينغلون". "حزب الله" دسّ، على ما تقول، عناصره لتسوية مطالبه. لكن، في اليوم التالي، بدأ المواطنون يتقاطرون الى رياض الصلح، بعفوية الثائر، وانطلقت فعلياً الشرارة الجميلة. هي شرارةٌ بسيطة ليست بالطبعِ بحجمِ تلك الشرارة التي اندلعت باستشهاد الرئيس رفيق الحريري، لكن وضع الناس اليوم مأزوم جداً. وتضيف فياض: هم غاضبون جداً، بعدما تُركوا إثر حراك 2005 في نصف الطريق. وتستطرد: أمران لفتاني جداً أولهما، لأولِ مرة ينتفض الشيعة على الثنائيات الشيعية وينضمون الى كل مواطني الطوائف الأخرى في لبنان متجاوزين كل أوهام التفوق وفائض القوة. وثانيهما، أن الشارع المسيحي الذي صدّق الحالة العونية، المتحالفة مع "حزب الله"، إستيقظ وثار ونزل معترضاً.
لفت الدكتورة منى فياض ما لفتها. لكن ماذا لفت خضر غضبان؟ أتتذكرونه؟ هو كان في صفوف طلاب "الحزب التقدمي الإشتراكي" وأصبح اليوم عضواً في مجلس قيادة الحزب. هو نزل الى الإعتصام، الى "تظاهرة الواتساب"، لكن بحماسة أقلّ، ربما لأن الحزب الذي ينتمي إليه يتعامل مع الثورة الجديدة كنحاتٍ أو كخياطٍ يُمسك بإبرة وخيط محاولاً أن ينسج في الثورة الجديدة ملامح خاصة. فلنترك خضر، الشاب الثائر، يُخبرنا المزيد: نزلنا العام 2005 تحت هدف سياسي وتراكمات فجرها دم رفيق الحريري. ولم نحقق على المستوى السياسي، للأسف، سوى مطلب خروج الجيش السوري. ولهذا سميتُ ثورة الإستقلال "إمتصاص الإستقلال". ويستطرد: ليس هناك نصف ثورة. لكن، في المقابل، ما رأيناه اليوم هو مشهد أوسع، القاسم المشترك فيه، بين كلّ المكونات، هو الجوع ورفض الفساد ووقاحة السلطة. هذا مطلبياً. أما شكلياً فالثورة الجديدة أشركت كلّ الساحات من بيروت الى طرابلس وزحلة وصيدا وعكار... وهذا الحراك الجديد لا قيادة له وهذه جماليته.
هل يوافق فادي الشاماتي، الذي كان أحد قياديي حركة "نحو الحرية" بما قاله رفيقه في ثورة أرز مضت؟ يجيب: ثورة اليوم هي ثورة جيل آخر، وهي تعلن رفضها للأحزاب ولديها حساسية عليها. هي ثورة جديدة بسلوكيات جديدة. لكن، الأسلوب الذي ينتهجونه قد لا يُبشّر بالصمود إن لم يقترن بتنظيم أدق يُعطي لحركتهم الإستمرارية الآن وفي المستقبل. ويستطرد: حتى اليافطات التي رفعوها ليس فيها أي ابتكار. البيانات التي يوزعونها، باسمِ الحراك، ليس عليها رقم هاتف للمراجعة ولا أسماء واضحة تواكب اعتصام الناس في الساحات.
فلننتقل الى شربل عيد، الذي كان طالباً في العام 2005 وأصبح اليوم، في 2019، محامياً ويشغل موقع رئيس جهاز التنشئة السياسية في "حزب القوات اللبنانية". ويقول: هي المرة الأولى التي ينزل فيها الناس، بهذا العدد، من أجل مطلب معيشي. أما السلطة القائمة ففقد الشعب الثقة بها نهائياً. وما عادت إمكانية التفاوض مع هذه الشخصيات الحكومية واردة. وهذا ما لم تفهمه السلطة بعد. وما عاد أمامها سوى الإستقالة وتشكيل حكومة تكنوقراط بعيدة من كل الأحزاب. وهذا فقط ما ينتشلنا من الوضع الذي وصلنا إليه. يحتاج الناس الى قرارات جدّية.
يتذكر عيد تلك التظاهرات التي شارك فيها في 2005 ويقول: لم أكن أملك يومها أي صديق مسلم ومفكرتي كانت خالية تماماً من أسماء أحمد ومحمد وعلي ومحمود وحسن وحسين، ويوم التقيت بالشباب الآخر شعرت بحالة ذهول كامل. أدركت يومها وجود لبنانيين مقهورين من الإحتلال مثلي ولبنانيين آخرين يدعمون الإحتلال. ويضيف: بنينا في 14 آذار وطناً جديداً وأرسينا عناوين عريضة وواضحة أدت الى إنسحاب الجيش السوري من لبنان وخروج الدكتور سمير جعجع من السجن وعودة العماد ميشال عون من منفاه. أما اليوم فنحن أمام ثورة واضحة بأهدافِها لكن خريطة طريقها مجهولة. هي تظاهرة تخلو من وجود قادة وليس للمشاركين فيها أي اعتبار لأي طرف في السلطة. ولا بُدّ من إجراء قراءة جديدة بعيد إنتهاء الثورة لأخطاءٍ ارتكبت من الجميع وأدّت الى ما وصلنا إليه.
وماذا عن الحلول؟
شربل عيد يرى الحلّ باستقالة الحكومة، التي لم يعد في إمكانها، وضع رأسها مثل النعامة في التراب. وبولادة حكومة تكنوقراط وبتعزيز هذا التطور الذي لفح كل الساحات وجعل طرابلس، المتهمة بالداعشية، تصرخ الى صور الشيعية: صور صور كرمالك بدنا نثور.
فادي الشاماتي يتلاقى مع شربل عيد في الحاجة الى تغيير جذري في العقلية وإنتاج "كادرات" قيادية جديدة تلبي احتياجات الناس ولا تبقيهم في قمقم المخاوف من بعضهم البعض.
فلنعد الى خضر غضبان لنسأله: هل حلول 2005 لا تزال تصلح في 2019؟
يعتبر غضبان أن كل الشتائم والدعوات الى إسقاط السلطة هدفها واحد وهو جبران باسيل. العهد يراه المتظاهرون متمثلاً بباسيل الذي يحاول أن يرث عمه وهو حيّ. ويستطرد: نزل الناس بغضبٍ هائل وهم لم يسمعوا حتى ورقة الإصلاحات التي تليت عليهم وهم لن يقبلوا بطروحات شعرية بل يريدون صدمة إيجابية. وهذه الصدمة قد تتحقق إذا ضحى رئيس الجمهورية بصهره، الذي يريد أن يقبض على كل المسائل في البلاد من الإقتصاد الى النفط الى البيئة والعدل والقضاء والأمن. وحينها سننتقل الى مرحلة جديدة.
يتلاقى شربل عيد مع كلام خضر غضبان معتبراً "أننا وصلنا فعلاً الى وقت أصبح على السلطة أن تتكلم فيه مع كل فردٍ بمفرده أو أن تُحدث صدمة إيجابية تتمثل باستقالة الحكومة وتشكيل حكومة يرضى بها الناس".
نعود الى منى فياض، الأستاذة الشاهدة على كلّ التفاصيل، بكثير من العمق، لنسألها عن الحلول؟ تجيب: المطلوب حكومة مصغرة تفرض هيبة بعدما فقدت الحكومة الحالية الثقة وبات المواطنون بحاجة الى ضمانات. وتستطرد: فلتُحاكم هذه السلطة، ولو واحداً، واحداً فقط، من الفاسدين كي تستعيد ثقة الناس. وماذا عن قلة التنظيم بين المعتصمين؟ تجيب: لا بُدّ أن تتمثل الخطوة الثانية بذلك. في السودان، حيث أكثر من ستين في المئة من الشباب غير منضوين في أحزاب، مع العلم أن لديهم أحزاباً حقيقية، نجح الشباب في خلق توازن وفي التعبير. وشباب لبنان ليسوا أقلّ من شباب السودان.
تستغرب فياض السؤال عن الحلول المطلوبة لحل المأزق الواقع فيه لبنان وتختم بسؤال وجواب: لماذا يحتار سعد الحريري؟ فليسمح بعمل ديوان المحاسبة وليُفعّل عمل مجلس الخدمة المدنية وليُطبّق القوانين الموجودة وليرفع يده عن القضاة. وليعرف هو وسواه أن مصلحة البلد وأهل البلد قبل مصالح أهل السلطة.