إيفون أنور صعيبي

مصرف لبنان...عنوان الخلاص "المستحيل"

5 دقائق للقراءة
تحمّل مصرف لبنان والمصارف 5100 مليار ليرة من أصل عجز موازنة 2020 "العصفور" الوحيد في يد الدولة (رمزي الحاج)
لم تفاجئ ردّة فعل الشارع الغاضبة على البرنامج الاقتصادي الإصلاحي للحكومة المتخصّصين الذين يتابعون الشأن الاقتصادي في البلاد. برأي هؤلاء فإن رفض اعتبار البرنامج حلاً للمشاكل المنفجرة، لا سيما من قبل الانتفاضة القائمة منذ ٧ أيام، دليلٌ على نضوج الرأي العام اللبناني عموماً والمشاركين في حراك الساحات خصوصاً.



كان على الحكومة أن تتّعظ من ردّة الفعل على ما سمّته برنامجاً اقتصادياً، فتدرك بأن الرأي العام اللبناني قد بلغ درجة من النضوج نتيجة التجارب الاقتصادية والاجتماعية المريرة التي عاشها منذ انفجار الحرب الأهلية ثم في ظلّ "الطائف"، بحيث أصبح من الصعب التلاعب به عن طريق الغشّ والكذب.

هذا ما استخلصته "نداء الوطن" من خلال اتصالها بعدد من الاقتصاديين، الذين اعتبروا الورقة التي أقرّها مجلس الوزراء مطلع الاسبوع الجاري مجرد وسيلة للهروب من مواجهة المشكلات الحقيقية وتجنّب اتخاذ القرارات التي تفرضها المسؤولية الوطنية إزاء الظروف العصيبة كما وفي مواجهة الحركة الشعبية العارمة التي قادها مئات الآلاف من اللبنانيين من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب.

إن تمحيص المقرّرات الاقتصادية لمجلس الوزراء يُظهر أن "العصفور" الوحيد في يد الدولة، أي البند المرشّح للتحوّل إلى أرقام حقيقية، هو تحمّل مصرف لبنان والمصارف 5100 مليار ليرة من أصل عجز الموازنة لسنة 2020، الأمر الذي يثير كثيراً من التساؤلات والملاحظات. أما الباقي فمجرّد عبارة عن تجديد لوعود سابقة تعهّدت بها الدولة ولم تنفّذها على مرّ السنين، أو تقديم وعود جديدة من سلطة فقدت مصداقيتها ولم يعد الشعب اللبناني يثق بتعهّداتها.

في ما خصّ تحميل الجهاز المصرفي، أي المصارف ومصرف لبنان، 5100 مليار ليرة لبنانية من عجز السنة المقبلة فإن بيان الحكومة لم يوضح كيفية تحقيق هذه المساهمة، باستثناء توزيع هذا المبلغ بين ضريبة استثنائية ولمرّة واحدة على أرباح المصارف توفّر 600 مليار ليرة، وقبول المصارف بالتخلّي عن 900 مليار ليرة من فوائد سندات الخزينة التي تحملها، على أن يتكفّل مصرف لبنان بتحمّل 3600 مليار ليرة كمساهمة منه في خفض العجز.

هنا يُطرح سؤال مشروع عن كيفية تأمين مصرف لبنان لهذه المساهمة التي تعادل أكثر من ملياري دولار. فهو سيلجأ على الأرجح إلى خلق النقد الذي يُجيزه له القانون، ومعنى ذلك أن المجتمع اللبناني هو الذي سيتحمّل في النهاية هذا العبء، لأن خلق النقد سينعكس انخفاضاً في القيمة الشرائية للعملة الوطنية وارتفاعاً، بالتالي، في الأسعار.

لا بدّ من التذكير بأن المصرف المركزي دأب في السنوات الأخيرة على خلق كميات كبيرة من النقد لتسليف المصارف أموالاً بالعملة اللبنانية بفائدة زهيدة مقابل إيداع دولارات جديدة لديه لزيادة موجوداته بالعملات الأجنبية. وبحسب الميزانية الموجزة التي يُصدرها مصرف لبنان، فقد بلغت ديونه للقطاع المالي نهاية شهر أيلول الماضي أكثر من 22 ألف مليار ليرة أي حوالى 15 مليار دولار. وهكذا، فإن مصرف لبنان يستسهل خلق النقد وإقراضه بفوائد زهيدة للمصارف أو الدولة، بما يُنذر بزيادات كبيرة ومتوالية قادمة في أسعار الاستهلاك.

في هذا الاطار، حذّر متخصّص في السياسة النقدية من "لجوء مصرف لبنان إلى طرق أخرى ترتّب خسائر إضافية على المصرف نيابة عن الدولة، لأن المركزي يُراكم خسائر فادحة منذ 15 سنة لمساعدة ماليّة الدولة، ويُحيط المصرف خسائره بالكتمان ولا يُظهرها كما تقتضي الأصول وقواعد الشفافية. الله وحده يعرف الوضع المالي الحقيقي لمصرف لبنان بعد تراكم كل تلك الخسائر المخفيّة".

وحذّر أيضاً من "اللجوء إلى الحساب الدفتري لدى المصرف المتعلّق بإعادة تقويم موجودات البنك المركزي من ذهب وعملات أجنبية. فهذا الحساب يبلغ رصيده الآن أكثر من 8 مليارات دولار، وهو عبارة عن أرباح دفترية غير حقيقية ناتجة عن فروقات الأسعار الحالية للذهب والعملات عن سعر شرائها الأصلي بالليرة. فكلما ارتفع سعر الذهب تزداد الأرباح المكونة في هذا الحساب. ومع أن قانون النقد والتسليف يُجيز تحويل رصيد هذا الحساب إلى الخزينة، فقد حذّر صندوق النقد الدولي مراراً من مغبة استعماله كأرباح، لأن العرف في قواعد المحاسبة الدولية يمنع توزيع الأرباح قبل إنجاز العملية، أي بيع الذهب في حالتنا. فخلافاً للأصول المحاسبية لجأ مصرف لبنان ووزارة المالية أكثر من مرّة إلى تحويل هذه الأرباح إلى الخزينة، كما حصل بعد باريس 2".

ما عدا البنود المتعلّقة بمساهمة الجهاز المصرفي في تمويل عجز الموازنة، فإن البنود الأخرى يغلب عليها طابع الوعود. ومنها وعود قُطعت منذ سنوات ولا نعرف لماذا لم تُنفّذ، مثل إلغاء ودمج المؤسّسات العامّة، وتعيين الهيئات الناظمة، والإسراع بتنفيذ برنامج الإنفاق الاستثماري (سيدر) وإصدار المراسيم التطبيقية لمجموعة من التشريعات التي صدرت في السنوات الأخيرة وتعطّل تنفيذها بسبب عدم صدور المراسيم التطبيقية لها.

وقد برز في برنامج الحكومة اتجاه لتخصيص بعض المؤسّسات التي تعود ملكيتها للدولة. صحيح أن تخصيص المؤسّسات التجارية والصناعية المملوكة من الدولة أمر إيجابي من حيث المبدأ، لأن مشاركة القطاع الخاص تؤدّي إلى زيادة فعالية المؤسّسات وحمايتها من الهدر والفساد، إلا أن الخصخصة كما عرفناها في لبنان تعني توزيع المؤسّسات المخصّصة على المراجع السياسية التي تختبئ وراء شركات محلية أو أجنبية تعقد معها اتفاقيات تحت الطاولة. إن ذلك يؤدّي إلى بيع أملاك الدولة بأسعار متدنّية ويسمح بتحقيق المصالح الخاصّة للسياسيين على حساب المصلحة العامّة.اقتضت محاولة "بلف" الرأي العام واستغبائه بهذه الطريقة إعلان ورقة قيل إنها اصلاحية تتضمّن بنوداً فضفاضة ووعوداً غير قابلة للتحقيق وحشواً لا طائل منه ولا فائدة، إلا السعي لظهور الحكومة بمظهر السلطة المُمسكة بزمام الاقتصاد وصاحبة الرؤيا اللازمة بالاضافة الى القدرة على الإنقاذ في حين انها..."مفلسة".