لا شكّ أن الحرب الحالية بين روسيا وأوكرانيا أخذت طابعها الجيواقتصادي من خلال الطابع العسكري المدمّر للدولة الأوكرانية، حيث نشهد في ذلك تجارب سلاح جديد ومتطوّر، يُستخدم من قبل الطرفين، وحتّى محرّم دوليّاً، في ظلّ التنافس الحاد بين الأحلاف العسكرية ولوبيات التصنيع الدولية. لكن المسألة تهدف إلى حرب اقتصادية طاحنة قد تكون الماكينة الصناعية العسكرية في قلبها وأوكرانيا مشهدها.
لم تمضِ مدة قصيرة على زيارة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى نيودلهي لضمّ الهند إلى الحلف الشرقي بقيادة موسكو بجانب الصين، لتأتي بعدها وسريعاً زيارة رئيس وزراء بريطانيا بوريس جونسون بتاريخ 22 نيسان الحالي إلى نيودلهي، في لحظة دولية حاسمة. ويُعتبر جونسون صاحب القرارات المتشددة والقاسية و»رأس الحربة الغربية» في تفعيل العقوبات ذات الأنياب على المرافق الحيوية في روسيا. ينظر الجميع إلى الهند كيف ستقود توجهاتها السياسية الحالية في ظل الصراع الأوكراني - الروسي. الهند دولة محورية تُعتبر شبه قارة لها اقتصادها المميزة به، بما يتناسب مع قوتها الديموغرافية التي تُجبرها على أن تكون دولة تُحافظ على اقتصادها وإدارة العلاقات بين الطرفَيْن المتصارعَيْن عسكريّاً في أوكرانيا.
تُعتبر الهند دولة محايدة ولعبت دوراً مميّزاً أيام الحرب الباردة، وكانت من مؤسّسي دول عدم الانحياز إلى جانب مصر ويوغوسلافيا السابقة. كما تتميّز الهند بانتهاج سياسة تقوم على الديموقراطية، وهي تعتبر من أكبر الديموقراطيات في العالم. وتشتهر الهند في الصناعات التكنولوجية والأدوية والصناعات الغذائية والسياحة واليد العاملة الرخيصة والتقنية، وربّما فترة «كورونا» الأخيرة التي ضربت الهند وكيفية مواجهتها بنفسها لفتت أنظار العالم بتصدّيها البسيط للجائحة من خلال قدراتها الخاصة وكوادرها الوطنية. لكن الهند تعتمد على التسليح الروسي، ومع ذلك لا يُمكن للهند الابتعاد عن الأسواق العالمية، خصوصاً في مجال التسليح، لأنّ الهند لديها عدوَّان، وهما:
أوّلاً، مشكلة كشمير التي تُهدّد أمنها ولا يزال الصراع مع باكستان مخيّماً على الجو العام، وباكستان لا تزال تنتهج نهجاً عدائيّاً نحو الهند، حيث تُشكّل باكستان لها أزمة دائمة يجب الحذر منها، بالاضافة إلى أن الهند تُعاني من الإرهاب الذي وجّه اليها عدة ضربات صاعقة ولا تزال هدفاً له. وثانياً، مشكلة الصراع الحدودي الهندي - الصيني المفتوح، والذي تتبلور صوره في معارك حدودية من هنا وهناك. وبالتالي تعلم الهند بأنها لن تكون في حلف تتواجد فيه الصين وباكستان المهدّدان الأبرز لأمنها ووجودها وكيانها، وهي تعلم جيّداً بأن روسيا لن تقف إلى جانبها في حال دخولها في حرب مع أي طرف من الطرفَيْن.
في المقابل، تدخل الهند في تحالف «كواد» الرباعي الذي يضمّ كلّا من الولايات المتحدة واليابان وأستراليا والهند، ويهدف إلى حماية أمن المحيطَيْن الهندي والهادئ. وهذان الانفتاح والتعاون يؤمّنان للهند نوعاً من الحماية بالرغم من أن علاقات الهند بالولايات المتحدة وتحديداً إدارة الرئيس جو بايدن، ليست على ما يرام، إذ لم يستجب رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي لمطالب بايدن بمواكبة العقوبات الأميركية والغربية ضدّ روسيا. بالطبع، فإنّ الهند تعرف مكانتها في النظام العالمي الحالي أو الجديد، لذلك اتخذت من هذه الحرب موقف الحياد الإيجابي.
من هنا سؤال يطرح نفسه على الجميع: ماذا حملت في طياتها زيارة رئيس وزراء بريطانيا إلى الهند في هذه الأيام الحرجة التي تعيشها أوروبا بسبب الحرب الروسية؟ هدفت الزيارة إلى توطيد العلاقة مع الصديق القديم للهند الذي يرغب في لعب دور جديد في المرحلة القادمة في شبه القارة الهندية، فضلاً عن محاولة إبقاء الهند على موقفها المحايد الإيجابي من الحرب الروسية ضدّ أوكرانيا.
الجميع بات يعلم بأن الحرب الحالية هي عالمية اقتصادية بامتياز، باتت تُعرّض العالم لأزمة فعلية وتُهدّد بعض الدول بخطر المجاعة. ففي السيطرة على منطقة دونباس ومنطقة خيرسون وسهول أوكرانيا، يعني السيطرة على موارد القمح والذرة والشعير والصويا وبذور عباد الشمس إلخ، ما يؤدي بالتالي ليس فقط إلى حرمان أوكرانيا من سلّتها الغذائية وموانئ بحر آزوف، بل تهديد العالم بسلاح الغذاء كما سلاح الطاقة.
الهند تُريد تعزيز دورها لدى الطرفين والاستفادة من الحوافز الغربية بتفعيل اتفاقات اقتصادية وإقامة مشاريع كبرى في الهند، وتعزيز اقتصاد المعرفة والطاقة والصناعات الإلكترونية وتدريب الكوادر وتعزيز الثقة مع الغرب، وبنفس الوقت هي تُريد الحصول على النفط والغاز الروسيَيْن والطاقة وبعض الأسلحة التي تُعزّز قدرتها وموقعها في المنطقة بأسعار زهيدة.
ربّما الإشارة إلى موقف رئيس الوزراء البريطاني الذي أوضح أن الزيارة إلى الهند ليست لتلقين نيودلهي دروساً في كيفية اتخاذ المواقف، ولكن هذه الزيارة تأتي في إطار توقيع اتفاقات عديدة مع الهند بعد خروج لندن من الاتحاد الأوروبي. وهذه الزيارة قد تؤشر إلى تعويم دور الهند في الأوساط الدولية كدولة لها مكانتها وموقعها الدوليَيْن من أجل إدخالها أو الطلب منها القيام بواسطة فاعلة بين روسيا وأوكرانيا، كونها وسيطاً نزيهاً محايداً وتمتلك من القدرات العالية بتقريب وجهات النظر بين الطرفين من خلال جمعهما حول طاولة المفاوضات.
فهل سيكون بمقدور الهند لعب هذا الدور القطبي الجديد في هذا العالم المتنوّع وفرض ثقلها على كافة الأطراف المتحاربة كقوة آسيوية مستقلّة لها طموحاتها الجيوسياسية ولها صداقاتها الخاصة، وتتخطّى بذلك مشكلاتها الداخلية لكي تكون لاعباً دوليّاً في عالم متعدّد الأقطاب؟ أو أن مغامرة بوتين في حربه ضدّ أوكرانيا قد قضت على عالم متعدّد الأقطاب وأثبتت قطبية الولايات المتحدة الأحادية لقيادة العالم لفترة طويلة؟