يتعاطى المجتمع الدولي بكثير من الحذر والترقب مع ما يشهده لبنان من تحرك شعبي غير مسبوق. ويمكن وصف مقاربة الوسط الديبلوماسي لما يحيط بالانفجار الشعبي بأنها تنطوي على مزيد من "التشجّع" (الارتياح) وعلى القلق حيال ما يحصل.
يرى بعض الديبلوماسيين من خلال مراقبة الحراك الشعبي بعد مضي 7 أيام، أن الطريقة التي نزل فيها الناس إلى الشارع تدل إلى أنهم ليسوا منقادين أو أن هناك من يتلاعب بهم من الفرقاء السياسيين أو غيرهم، بحيث يستطيع الناس أن يُسمعوا الحكام صوتهم بقوة من دون أن يكونوا منتسبين لفريق أو لآخر. وهذا ما دفع الحكومة والفرقاء الذين وراءها إلى اتخاذ قرارات إصلاحية وقطع وعود بمواصلة الإصلاح. وهو أمر يعكس إرادة الناس كبداية لعملية إصلاحية طويلة، حتى لو كان ذلك بديلاً من استجابة جذرية لمطالب الحراك الشعبي. وقد يكون رئيس الحكومة سعد الحريري ممتنّا للحراك الشعبي لأنه سمح بالخروج بقرارات مجلس الوزراء الإثنين الماضي، ويمكن أن يستند إلى تعبير الناس عن وجعهم لاتخاذ المزيد من القرارات.
أما القلق عند الديبلوماسيين الأجانب فيعود إلى أن الوضع دقيق، نظراً إلى الممانعة التي ستواجه بها الطبقة الحاكمة، المزيد من الإصلاح والتغيير حفاظاً على مكاسبها. فالرسالة من الشعب كانت رداً على قرارات الحكومة أنكم تأخرتم ولسنا راضين عما قمتم به. وهذا يطرح السؤال، هل الحريري قادر على إصلاحات اضافية أم لا، كونه أدرك ما يريده الناس، فيما الطبقة السياسية ستقاوم ذلك. ويمكن لبعض هذه الطبقة السياسية أن يلجأ إلى تحريك المؤيدين في الشارع كما سمعنا، بحيث يخلق ذلك وضعاً صدامياً متفجراً.
يرصد الديبلوماسيون في بيروت عن قرب طريقة تصرف القوى الأمنية والجيش تجاه الحراك الشعبي، ويسجلون أنها تصرفت حتى الأمس بعقلانية مع المحتجين، فسعت إلى فتح طرقات جانبية مقابل إقفال طرق رئيسة، وتجنبت استخدام القوة المفرطة معهم. وهذا أمر أساسي يبدو أن الحريري طلبه من الجيش وقوى الأمن، بأن تتم حماية المتظاهرين طالما هم يتحركون سلمياً لتحقيق مطالبهم والحؤول دون أن يصطدموا بأنصار قوى سياسية. وتبدو قيادتا الجيش والأمن الداخلي مقتنعتين بهذا التوجه.
وفيما تبرأ كل من حركة "أمل" و"حزب الله" من تحرك الدراجات النارية في بيروت الإثنين الماضي، والذي حال دونه الجيش وأبلغت قيادتاهما من يلزم أنهما لم تكونا ترغبان بحصوله، فإن القلق من افتعال صدامات بين مناصري قوى السلطة وبين المحتجين يبقى قائماً، إذا شاء البعض إجهاض الاحتجاج الشعبي الذي يبدو أنه سيستمر.
السبب الثالث للقلق عند الوسط الديبلوماسي هو أن الانفجار الشعبي يحصل وسط وضع اقتصادي مهزوز، ومن هنا المخاوف على الوضع المالي في حال فتحت المصارف في ظل حال اللااستقرار الذي يعيشه البلد، وهجم المواطنون لسحب كميات من الأموال احتياطاً للمرحلة المقبلة. وهذا يطرح مسألة كيفية إدارة الوضع المالي على المدى القريب، بينما يطرح السؤال عن كيفية التعاطي مع مطالب الحشود الشعبية وخصوصاً لجهة مطالبتها بالمزيد من الإصلاحات وبالتغيير الحكومي، على المدى الأبعد.
وما يطرح لدى ممثلي الدول المعنية بالوضع اللبناني حول احتمال استقالة الحكومة من مخاوف من الانزلاق إلى الفراغ، في حال تعذر الاتفاق على صيغة الحكومة البديلة، لا يقل عن مخاوف قوى سياسية محلية من أن يتسبب بتعجيل الانهيار الاقتصادي، بحيث لا يملك الديبلوماسيون جواباً حول إمكان التبديل الحكومي من دون اتفاق مسبق بين الفرقاء، وهو أمر يبدو صعب المنال.
وفي رأي أحد الديبلوماسيين أن الطبقة الحاكمة لا يمكنها أن "تصرف" المحتجين إلى منازلهم، من دون التحاور معهم حول كيفية ترجمة مطالبهم التغييرية، سواء العميقة مثل الانتخابات المبكرة أو القصيرة المدى مثل استقالة الحكومة.