شاع الظنّ في القرن التاسع عشر أنّ حركة التقدُّم والعلوم تبشّر بمستقبل زاهر للبشرية جمعاء، وجاء القرن العشرون بحَربَيه العالميّتين، وما أسفرتا عن قتلى ودمار، ليدحض هذا الظنّ. صحيح أن التطوّر العلمي والتقني والتكنولوجي أفاد البشرية كثيراً في مختلف المجالات، لا سيّما مع الثورة الرقميّة والمنظومات المعلوماتيّة، وتسهيل حركة المواصلات والتواصل، والزراعة والصناعة والفلك والطبّ، والبيولوجيا التي تتدخّل في إعادة ترتيب الجينات داخل الأجسام الحيّة وتفتح آفاقاً جديدة مجهولة وغير مسبوقة، وإنتاج منابع جديدة للطاقة، وسبر أغوار الطبيعة والإنسان، لكنّ الصحيح أيضاً أنّ هذا التطوّر وضع إمكانات هائلة في يد السلطة السياسيّة وساعدها على صناعة الأسلحة الأكثر فتكاً، كما أفاد المال المنتصر المتحكّم في مصير العالم أكثر من أيّ وقت مضى، والذي أحكمَ قبضته منذ زمن بعيد، ما دفع بالكاتب اليوناني سوفوكليس إلى القول منذ قرابة ألفين وخمسمئة سنة: "لا شيء أسوأ من المال في المجتمع الإنساني!".
نتائج هذه التوجّهات السياسيّة والاقتصاديّة التي سيطرت على العالم في العقود الأخيرة، تمثّلت في مظاهر عدّة، كاجتثاث الغابات (وهو، في حدّ ذاته، مصدر لتفشّي الأوبئة) وذوبان الجليد القطبي وزيادة نسبة ثاني أُكسيد الكربون في الغلاف الجوّي وتلوّث الماء والهواء، أي، بعبارة واحدة، تهديد النظام البيئي بأكمله. في هذا السياق، حذّرت دراسة نشرتها مجلّة "ساينس" العلميّة يوم الخميس الماضي، من وقوع كارثة بيئيّة لا سابق لها: "ستَهلك جميع الأنواع الحيّة الموجودة في المحيطات من الآن وحتى العام 2300 في حال لم تتراجع انبعاثات غازات الاحتباس الحراري".
لقد أحيت منظمة اليونسكو، منذ العام 1997، سلسلة حوارات تحت عنوان "حوارات القرن الحادي والعشرين"، شارك فيها عدد من العلماء والمفكّرين والمبدعين وتتمحور حول التحديات الراهنة والبحث عن حلول محتمَلة (جُمعت بعض هذه المحاضرات في كتاب عنوانه "القيَم إلى أين؟" (نقله إلى العربيّة كلّ من زهيدة درويش جبّور وجان جبّور)، وواكبتها دراسات كثيرة لا تزال تصدر حتّى الآن، وتتناول هذا الموضوع من جوانبه المختلفة، من بينها الكتاب الذي صدر حديثاً عن دار "بْلُون" الباريسيّة للباحثة كارين صفا تحـت عنوان "لماذا تستطيع النهضــة أن تنقـذ العالم؟/ المخيّلة بصفتها طريقاً".
ترصد المؤلّفة وضع العالم الراهن الذي فقدَ المعنى، وتتطلّع إلى ما يخرجنا من المأزق الذي وصلنا إليه، من خلال الالتفات إلى أطروحات مفكّري عصر النهضة في أوروبا، وقد عاش هؤلاء ظروفاً مصيريّة كالظروف التي نعيشها اليوم: مرحلة انتقاليّة، أزمات اقتصاديّة واجتماعيّة وروحيّة، وانتشار الأوبئة. بالنسبة إليها، كان لروّاد النهضة دور أساسي في التجديد، وكذلك في بلورة النزعة الإنسانيّة، كينبوع يمكن الاستلهام منه للوصول إلى حلول تناسب عالمنا وزمننا. لاحظت أنّ النهضة راهنت على المخيّلة التي، بحسب رأيها، تكون في خدمة العلم وتمثّل "البنية العقلانيّة بامتياز"، لأنّها تجمع وتوحِّد وتراهن على الائتلاف لا الاختلاف، وتصالح الأضداد، كما تصالح الإنسان مع نفسه.
الرؤية الإنسانيّة التي تركها مفكّرو النهضة والتي تعتبر أن التقدّم التقني والعلمي لا يستقيم من دون تقدّم أخلاقي وروحي، هي التي تبنّتها كارين صفا لأنّها، في رأيها، تراهن على المستقبل وتساعدنا في بناء نهضة جديدة. بهذا المعنى، تصبح النزعة الإنسانيّة، ربّما، هي التحدّي الأكبر الذي يواجه البشريّة اليوم، كما سبق أن واجهها في الماضي، وهذا ما أشار إليه أحد رموز النهضة، الكاتب الفرنسي فرنسوا رابليه، الذي عاش بين القرنين الخامس عشر والسادس عشر: "العِلم بلا ضمير ليس إلاّ خراب الروح". وهذا ما تؤكّده حنّة أرنت: "لقد وجدت البربريّة السياسيّة أرضاً خصبة في هذا التضخّم الذي عرفته العلوم والتكنولوجيا، على حساب اندماجنا الحسّاس والرمزي في العالم". من هنا جاءت دعوة المؤلّفة إلى الانفتاح على المخيّلة والشعر، بما هما نظرة مختلفة إلى الحياة والعالم. وهذا ما يجعلها تلتقي مع مفكّرين وعلماء اجتماع وأنتروبولوجيا ومنهم كلود ليفي ستروس وإدغار موران. لذلك، لا بدّ من إعادة نظر جذريّة في فكرة التقدُّم نفسها حتى تكون أداة خلاص لا أداة قهر. تقول كارين صفا: "عندما يكون هناك أكثر من خمسة مليارات شخص (من أصل سبعة مليارات) لا يتمتّعون بظروف معيشيّة لائقة، فهذا يعني أننا أسأنا فهم معنى التقدُّم، ونسيء فهم معنى التقدّم أيضاً عندما نعتبر أنّ الطبيعة مصرف لا يُستنفَد ويمكننا أن نأخذ منه إلى ما لا نهاية".