"سمة الدولة الإسلامية أنها في حرب دائمة. تشبّث جيّداً في مكانك هُنا، في أرض الخلافة. وأبشر، لأنك ستكون شاهداً على حرب نهاية العالم بين معسكر الكفر ومعسكر الإيمان". هذه العبارة التي وردت في الحلقات الأولى لمسلسل "بطلوع الروح"، تجسّد محور القصّة في العمل الذي يتحدّث عن الحياة في قرية الرقة شمال سوريا في ظلّ هيمنة تنظيم "داعش" عليها خلال العام 2017.
"بطلوع الروح" الذي دخل السباق الرمضاني في النصف الثاني من الشهر الفضيل، هو دراما مصرية من 15 حلقة، من تأليف محمد هشام عبيه وإخراج كاملة أبو ذكري، ومن بطولة إلهام شاهين ومنة شلبي وأحمد السعدني ومحمد حاتم، الى جانب عدد من الممثلين المصريين والعرب، من بينهم ديامان بو عبود، عادل كرم ودارينا الجندي من لبنان، ومن إنتاج شركة "الصبّاح".
مع ظهور الملصقات الدعائية ثمّ الإعلان الترويجي للعمل، تعرّض المسلسل لهجوم واسع من الذين اعتبروا أنّه مسيء للدين الإسلامي، ووصل البعض الى الدعوة الى مقاطعته ومقاطعة الجهات المنتجة له.
المسلسل يروي قصة روح (منّة شلبي) التي كانت تعيش في مصر حياة طبيعية مع زوجها أكرم (محمد حاتم) وابنها سيف المصاب بالهيموفيليا. وفجأةً وجدت نفسها تعيش في مكان يشبه الجحيم، وباتت مضطرّة للتأقلم مع طبيعة الحياة فيه.
ففيما كانت تستعدّ لافتتاح مطعم جديد في مصر، بدأت تلاحظ تصرّفات غير مفهومة وتغيّرات في سلوك زوجها. وتتصاعد وتيرة الأحداث حين يخدعها ويستدرجها إلى تركيا تحت ذريعة قضاء عطلة وتمضية شهر عسل جديد. وهناك يخطف الطفل ويخيّرها بين الهروب معه والانضمام إلى "داعش" في سوريا، أو حرمانها من ابنها. فكان من الطبيعي كأمّ أن ترضخ له. بعد ذلك، يصاب زوجها خلال اشتباكات بين "داعش" وبين ما يسمّى بـ"قوات سوريا الديموقراطية"، ثم يقع في الأسر، وتظنّ روح أنه توفّي. ويتبيّن أنّ صديقه عمر (أحمد السعدني) الذي كان مغرماً بروح (منة شلبي) منذ أيام الجامعة، هو من أرسله الى هذه المهمّة، ليقينه بأنّه لن يعود منها. وبالتالي كي يهيّئ الجوّ المناسب لاتخاذ روح زوجة له.
المسلسل بشكل عام يفتقد الى عنصر التشويق. فالقصّة مستهلكة الى حدّ ما، والبعض اعتبر أنّها مقتبسة عن أعمال أخرى، مثل The Handmaids Tale، وفيلم "أولاد العم". لكنّه في المقابل لم يسقط في فخّ الملل، لأنّ قوّة أداء الممثلين شكّلت بحدّ ذاتها عنصر جذب للمشاهدين. هذا ويسجّل للمخرجة كاملة أبو ذكري اهتمامها بالتفاصيل الصغيرة. مثلاً، حين يبدّل أكرم ثيابه المدنية بالثياب العسكرية إثر دخوله الى "دولة الخلافة"، ظهر في مشهد وهو ينظر الى نفسه في مرآة متّسخة، وكأنّ صورته بالفعل قد تشوّهت.

كما أنّها ليست المرة الأولى التي تُعرض فيها أعمال درامية عن تنظيم "الدولة الإسلامية". لكن ما يميّز "بطلوع الروح"، أنّه يطرح مسألة التطرّف الديني من زاوية إنسانية قبل أن تكون دينية أو سياسية، حيث أنّه يصوّر عناصر التنظيم المتطرّف بعيداً عن الصورة النمطية التي يتعمّدون نشرها بهدف بثّ الرعب والخوف في نفوس الآخرين. فهم متطرّفون ومتشدّدون ومجرمون. لكنّهم في الوقت نفسه يمتلكون في داخلهم كمّاً هائلاً من المشاعر الإنسانية التي تتأرجح بين الحب والغيرة وإحساس الذنب والانتقام والشهوة والضعف. وبحسب ما ظهر في المسلسل، بعض العناصر يشربون الخمر، ويقبلون الرشوة. كما أنّ مسؤولة كتيبة الخنساء في الرقّة (إلهام شاهين) لم تحزن على وفاة زوجها الذي كان أمير المنطقة، رغم أنّها كانت مغرمة به حسبما ظهر خلال حواراتها معه. بل خرجت من المنزل قبل انقضاء فترة العدّة، وكشفت وجهها للأمير عمر وحاولت إغراءه. حتى أنّها طلبت منه الزواج وظلّت تلاحقه، رغم أنّه أصغر منها سنّاً.
من هُنا، يسلّط المسلسل الضوء على التناقضات داخل كل إنسان، وخصوصاً المتطرّفين. حيث أنّ بعضهم يبدو أشبه بقنبلة موقوتة داخل شخصية إنطوائية، وهي مستعدّة لاعتماد أي وسيلة من أجل الوصول الى غايتها.
كما يطرح المسلسل مسألة التطرّف من الجانب النسائي، الذي يتجسّد بالعنف والقسوة الشديدة التي تمارسها المجاهدات في لواء الخنساء، الذي تديره أم جهاد (إلهام شاهين). ولا بدّ من الإشارة هنا الى أنّ مشهد جلد إحدى النساء اللواتي حاولن الهرب من الرقّة بدا عنيفاً جداً، ورغم ذلك، لاقى انتشاراً كبيراً على مواقع التواصل الاجتماعي.
*يُعرض على قناة MBC و MBC مصر وعلى منصة "شاهد"