عندما عرض مشروع إنهاء عضوية روسيا في منظمة حقوق الإنسان في 7 نيسان الماضي، شدّد مندوب أوكرانيا في هيئة الأمم المتحدة السفير سيرغي كيسليتسيا على أن الدولة التي تخرق القانون الدولي لا يحق لها البقاء في المنظمات الدولية والتعايش مع المجتمع الدولي.
منذ قرون يُقارع الشعب الأوكراني الروس، ولم ينكسر ولم ينهزم. الأوكرانيون أقوياء مؤمنون بقضيّتهم تاريخيّاً، لكنهم منذ عدة سنوات دخلوا في مواجهة فعلية ومباشرة في النزاع مع روسيا، التي تُحاول احتلال أرضهم وتقطيع مناطقهم، وضمّها إلى الاتحاد الروسي. الوضع اختلف حالياً، إذ يشنّ الروس حرباً بشعة ضد الأوكران لم تعرفها أوروبا منذ زمن الفاشية الهتلرية، والسؤال الذي يطرح نفسه: هل سيُطلق لقب الفاشية الروسية في العالم ويُضاف إلى المصطلحات العالمية، نظراً لما تُتّهم به روسيا من شنّ حرب إبادة واضطهاد وتهجير قسري؟
حتّى الآن، لم تستطع روسيا إخضاع أوكرانيا لسلطتها لأنها ستدخل في حرب استنزاف وحرب عصابات من قبل مكوّنات الشعب الأوكراني، وهذه الحرب مكلفة جدّاً للروس ماليّاً واقتصاديّاً ومعنويّاً، والدليل التخبّط في مدينة ماريوبول وعدم استسلام كتيبة «آزوف» الأوكرانية.
فالأوكران شعب قوي، عنيد جدّاً، يُدافع عن أرضه وثقافته وقوميّته وحضارته. كما يُدافع الأوكرانيّون عن وطنهم وبيوتهم التي تتعرّض للتدمير الممنهج منذ 24 شباط، هم يُقاتلون روسيا ببسالة وشجاعة بعدما دخل الروس أرضهم وقتلوا شعبهم وأطفالهم واغتصبوا نساءهم وهدّموا بيوتهم وسرقوا أملاكهم، مستخدمين أحدث الآلات الحربية المدمّرة بوجه شعب يرفض الرضوخ للعنجهية والديكتاتورية والفوقية... هذه الأساليب مرفوضة من قِبل شعب قرّر الموت وعدم الإستسلام... قرّر الدفاع عن وجوده وكيانه وهويّته التي أراد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين شطبها من المعادلة التاريخية.
ويشهد العالم للأوكران أنهم لن يُعطوا بوتين أي نصر بالرغم من مرارة الألم التي يعيشها الرئيس الروسي للحصول عليها، إذ يُجاهد لذلك بعدما أجبره الأوكران على الإنسحاب من ضواحي كييف ولم يدخل خاركوف وتشيرنيهيف وسومي وكراماتورسك، بل هدم ماريوبول ولم يدخل مصنع «أزوفستال»، لأن المدافعين عنه رفضوا الإستسلام. لكنّه جعل من هزيمته قبل عيد النصر الروسي نصراً اصطناعيّاً في إعلامه المؤدلج، ما قد يُجبره على ارتشاف كأس السم في العيد بإعلان موقف مهزوم بأن عملية الغزو قد حققت أهدافها.
أمّا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الذي تحوّل من مهرّج إلى رجل أعمال، ومن محامٍ إلى رجل دولة مثل رؤساء العالم يعمل ويجتهد من أجل بلده، حتّى أنه أصبح رمز الصمود في أوكرانيا ولم يخرج من وطنه، بل بقي تحت الحصار، يُقاوم ويُخاطب الداخل والخارج، وتحوّل إلى ناطق إعلامي باسم بلده، فحظي باحترام الجميع بسبب شجاعته في الدفاع عن شعبه، حتّى قيل عنه إنّه أشبه بونستون تشرشل، المدافع العنيد عن القيم الإنسانية بوجه الفاشية الهتلرية، في مواجهته النازية الروسية الجديدة.
ما يجمع زيلينسكي بشعبه ليس الحضارة والديانة والتقاليد والقومية والثقافة، وإنّما التضحية من أجل الوطن، فالشعب الأوكراني عنيد ويُقاتل من أجل حرّيته والحفاظ على هويته وكيانه، وهذا ما دفع العالم لاحترام زيلينسكي وقيادات أوكرانيا والشعب المقاتل والإعجاب بتضحياتهم وقدراتهم والاستماع إليهم باحترام.
يبقى على المجتمع الدولي المحافظة على أوكرانيا كدولة، لأنّ المحافظة عليها هي المحافظة على القانون الدولي الحالي من خلال الدفاع عن القيم الإنسانية والأخلاقية، بينما أراد بوتين تغيير الوضع الحالي تحت شعارات وهمية ظهرت في مذابح مدن منطقة كييف الصغيرة بهدف السيطرة والاستعداد لإحياء الأمبراطورية الروسية الجديدة.
لكن المسألة أكبر من حلم روسي «بوتيني»، الذي يُحاول فيه اختزال الأمور بالسيطرة على أوكرانيا، لأن أهدافه ليست فقط جغرافية، وإنّما عالمية بتغيّر جيوسياسي قادم للعالم. وإذا لم يتمكّن العالم من الوقوف مع أوكرانيا وايقاف طموحات بوتين الجهنمية، فإن شهيّته ستبقى مفتوحة دائماً ولن يتمكّن أحد من إسكاته والمثل الروسي يقول إن «الشهية تفتح وقت الطعام»، وبالتالي سيدق أبواب أوروبا الشرقية كلّها ولن يرتدع.
ليس غريباً على بوتين، ابن المؤسّسة المخابراتية، أن يُعلن أمام الجميع أنه يُريد تصحيح خطأ تاريخي ارتكب في أوكرانيا لجهة استقلالها، ويُحمّل ستالين ولينين هذا الخطأ معتبراً أن الوقت حان لإصلاحه بعودة أوكرانيا إلى الحضن الروسي، من خلال إنهاء مفهوم الدولة واللغة والكيان الأوكراني، في عملية تمرّد على القوانين الدولية والمفاهيم الإنسانية عبر ممارسة إبادة بحق شعب بأكمله.
لقد أكد وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن خلال اجتماع في 13 نيسان الماضي أن «الشعب الأوكراني مصمّم على الانتصار والعالم مؤمن بانتصار قضيّتهم وعلى الجميع مساعدتهم لتحقيق هذا الانتصار».
الشعب الأوكراني تربّى على أدب الكاتب والشاعر الكبير تاراس شيفتشينكو، شاعر الأغنية الشعبية والفلكلور والتراث الشعبي، الذي يوجد له مقولة مؤثرة بالنسبة إلى الأوكران: «عليكم القتال الدائم لأنّكم تُقاتلون وتُحاربون دوماً»، لذلك نرى أن الأوكران يعرفون لماذا يُحاربون وعن ماذا يُدافعون... عن حقوقهم وحضارتهم ولغتهم ووطنهم.