"ما أردتُ إيصاله هو صرخة في وجه أسياد هذا العالم السعداء: احترسوا. انظروا إلى ما يوجد تحت الأرض وتأمّلوا في حال هؤلاء البؤساء الذين يعملون ويتألّمون. ربّما لا يزال ثمّة وقت لتفادي الكوارث النهائية. لكن، أسرعوا في تحقيق العدل وإلاّ فلن يبقى إلاّ الخطر". هذا ما أفصح عنه الكاتب الفرنسي إميل زولا عندما فرغ من كتابة روايته "جيرمينال" التي صدرت عام 1885 وتتحدّث عن عمّال المناجم ومعاناتهم وكفاحهم. بكلماته الحاسمة، حذّر زولا البورجوازية الفرنسية في القرن التاسع عشر من التمادي في الاستغلال ودفعهم إلى التفاوض مع العمّال حتى لا يتفجّرغضبهم ويكشفوا عن الوجه الآخر النقيض للاستسلام والخنوع.
كان إميل زولا كاتباً حرّاً ملتزماً قضايا شعبه. شغفه الوحيد مناهضة الظلم والانحياز إلى العدالة. وكان يعتبر أنّ التزامه امتداد لنتاجه ولا ينفصل عنه، وأنّ الكتابة سلاح من نور ولها أيضاً دور في المجتمع. ولم يكن بيانه السياسي الشهير "إنّي أتّهم"، حول "قضيّة درايفوس" إلاّ فصلاً من فصول هذا الالتزام ومن وقوفه إلى جانب القضايا المُحقّة. أسماء أدبية وفنية كثيرة، في العالم أجمع، كان هذا نهجها، مقابل أسماء أخرى ابتعدت في نتاجها عن الأحداث الساخنة التي تجري حولها. بعض الأدباء وقفوا ضدّ الأدب الثوري واعتبروا أنّنا في حاجة إلى ثوريين في الأدب أكثر من حاجتنا إلى أدباء في الثورة، ومن هؤلاء الكاتب الأرجنتيني خوليو كورتاثار. ومع ذلك، فلقد استوحى كورتاثار واقع بلاده وكتب إحدى أجمل قصصه القصيرة، وهي بعنوان "خطوط على الحائط"، وكانت نموذجاً لكتابة ثورية في الأدب والواقع على السواء، وقد وصف فيها مناخ القلق والخوف الذي هيمن على بلاده حين كانت رازحة تحت الحكم الديكتاتوري. في تلك القصّة، يثير الكاتب مسألة المخطوفين والمواطنين المروّعين الذين لا يستطيعون التواصل في ما بينهم إلاّ من خلال الرسوم والإشارات التي يتركونها، ليلاً، على الجدران ويعمل الجنود على محوها. في النصف الأول من القرن العشرين، كان يصعب الفصل بين ما هو ثقافي وما هو سياسي في أميركا اللاتينية لشدّة ما كانت الخلفيّة السياسيّة تتحرّك في كواليس الأدب، حتى في أكثره إيغالاً في الفانتازيا والغرابة، ونذكر، هنا، على سبيل المثال، رواية "خريف البطريرك" لغبريال غارسيا ماركيز، أو أعمال أغستو روا باستوس (الباراغواي) التي تعكس أجواء المنفى وتحكي عن هجرة ثلث شعب بلاده هرباً من الفقر والاضطهاد، من دون أن تسقط تلك الأعمال الأدبية في الأسلوب المباشر والشعارات والوعظ. من الجانب الآخر للمحيط الأطلسي، ألم تحضر "كومونة باريس" في النتاجات الأكثر حداثة في الشعر الفرنسي، وفي خلفيّة ما كتبه شاعر الرؤية والتجلّي أرتور رامبو؟
يلاحظ المفكّر الفلسطيني إدوارد سعيد أنّ السياسة كامنة في كلّ شيء وفي كلّ مكان، وأنه يتعذر التخلّص منها باللجوء إلى مملكة الفنّ للفنّ والفكر الصافي النقي. المثقّفون، بالنسبة إليه، هم أبناء زمنهم وهم، كبقية البشر، يعيشون تحت سقف السياسة وصناعة المعلومات والإعلام الموجّه للجمهور الواسع. هنا يبدأ دور المثقّف في قراءته المختلفة للواقع وتعريته الزيف وكشف الحقائق. يقول سعيد إنّ المثقّف هو الذي يجازف بكيانه، وإنّه أمام خيارين لا ثالث لهما، إمّا التحالف مع استقرار المنتصرين والمهيمنين أو -وهذا هو الطريق الأكثر صعوبة- اعتبار هذا النوع من الاستقرار أمراً مقلقاً وصورة لوضع يهدّد، أكثر فأكثر، الضعفاء والخاسرين.
ولئن ابتعد المثقّف (إذا كان كاتباً أو فنّاناً) عن السياسة وأبعدها عن نتاجه، فهل يستطيع إشاحة النظر عن الواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي العامّ؟ هل يمكن أن تكون الثقافة على حياد؟ هل يُعقل أن يصمت المثقّف أمام القهر والجور وانتهاك حقّ الآخر عدواناً، وأن يغضّ الطرف عن البؤس الذي حوله وعن المجازر التي تُرتكب أمام عينيه؟
بعض المثقفين العرب ممّن تصدّوا للظلم ونادوا بالحرية والعدل دفعوا حياتهم ثمناً لأفكارهم ومطالبهم المشروعة. وفي لبنان الذي يعيش اليوم لحظة تحوّل تاريخي، لا تغيب الوجوه التي راهنت على التغيير واغتيلت غدراً، وهي تنبعث الآن في كلّ صوت يصدح في الشوارع والساحات لإسقاط النظام الطائفي ورموزه من أجل الفوز بالمستقبل وبلوغِ غدٍ أفضل.