تمر العلاقات الروسية - الإسرائيلية بأصعب مراحلها حيث يسود التوتر والحذر بين الطرفين على أثر الصراع العسكري الروسي - الأوكراني، على الرغم من أن إسرائيل حاولت التوازن في موقفها من الأزمة لكي تلعب دوراً رياديّاً في الوساطة.
خاطب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي نواب الكنيست الإسرائيلي بلغتهم، في حين اتسمت السياسة في تل أبيب بالحصول على رضى اليهود الأوكران بالتصويت في مجلس الأمن والاعتراض على الغزو الروسي، وفي المقابل عدم الانجرار في تبنّي العقوبات الغربية المفروضة على روسيا، إذ حاول الكيان الإسرائيلي الحفاظ على توازن صعب في مواقفه من النزاع الدائر بين كييف وموسكو.
لكن هذا الموقف المبهم بات يُهدّد الإئتلاف الحكومي الإسرائيلي بالإنهيار لكون وزير المال الحالي أفيغدور ليبرمان قد أعلن أنه لا يرضى إدانة روسيا، وفي حال اتخذت الحكومة أي خطوات لصالح أوكرانيا، يعني أن إسرائيل على أبواب انتخابات برلمانية مقبلة. فليبرمان سياسي روسي مهاجر من جمهورية مولدوفا ورئيس حزب «يسرائيل بيتينو» (إسرائيل بيتنا)، وتربطه علاقات وثيقة مع الرئيس فلاديمير بوتين، ولا يزال يحتفظ بالجنسية الروسية ويُمثل مصالح روسيا في الدولة العبرية.
تسعى روسيا لابقاء الصلة بهذه الجاليات اليهودية والحصول على دعم سياستها في الأوساط اليهودية العالمية والتأثير على «الايباك» الأميركي واللوبي اليهودي للضغط على السياسة الأميركية في الكونغرس لتحقيق مكاسب سياسية، بالإضافة للاستفادة من هذه الجالية (السوفياتية) التي تُعتبر الجالية الثالثة في إسرائيل لاعادة الصلة مع مواطنيها السابقين ليكونوا الجسر بين الكيان الإسرائيلي وروسيا.
بالرغم من أن السياسة الروسية كانت تستخدم في حربها ضدّ الأوكران تعبير اقتلاع «النازية الجديدة»، لأن غزوتها موجهة ضدهم، لكن الذي زاد الطين بلّة في توتير العلاقات هي مقابلة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف مع موقع «ميدياست» الإيطالي، والإشارة إلى أن «زيلينسكي يردّ على هذه الحجة بالقول كيف يُمكن للنازية أن تكون موجودة (في أوكرانيا) إذا كان هو نفسه يهوديّاً (زيلينسكي)؟ يُمكن أن أكون مخطئاً، لكن هتلر نفسه كان يسري في عروقه دم يهودي».
وأثار الإدعاء الذي أورده لافروف مكرّراً شائعات ينفيها المؤرّخون باستمرار، يُشار فيها إلى «دم يهوديّ» لأدولف هتلر، تكهّنات بأنّ هتلر قد تكون له أصول يهودية. وعلى اثر ذلك، قامت تل أبيب باستدعاء السفير الروسي وتوبيخه، وطالبت موسكو باعتذار، ووصف رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينيت تصريحات لافروف بـ»الخطرة»، فيما طالب وزير الخارجية الإسرائيلي يائير لابيد نظيره الروسي بالاعتذار عن أقواله، واصفاً إيّاها بأنها «فضيحة لا تُغتفر»، لأنّ روسيا بذلك ألقت باللوم على اليهود أنفسهم بالمحرقة. لا شكّ بأن المقابلة لم تكن زوبعة في فنجان السياسة الدولية لوزير الديبلوماسية الروسية، وهي التي حملت في مضمونها رسائل متعددة. لكن السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا اتجهت موسكو إلى التصعيد مع إسرائيل في هذه المرحلة؟ فهل كانت زلّة لسان سياسية حقيقية أم الاعتماد على معلومات تاريخية حقيقية تُخفيها روسيا لإعطاء مقاربة للتاريخ اليهودي في الحرب العالمية الثانية؟
لقد كانت روسيا تُريد بعث رسالة إلى إسرائيل بأن دعم أوكرانيا لن يمرّ مرور الكرام. وفي ظلّ هذا التوتر في العلاقات الروسية - الإسرائيلية، لبّى وفد من حركة «حماس» دعوة وزارة الخارجية الروسية والتقى مع ممثلين رفيعي المستوى في الخارجية الروسية. حاولت موسكو استخدام زيارة وفد من «حماس» لخدمة الخلاف الصاعد وتوجيه رسالة قويّة أخرى بأنّ حيادها في الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي الذي حرصت عليه في الفترة الماضية، يُمكن أن يتطوّر لمصلحة «حماس» التي تتّهمها تل أبيب بالإرهاب.
من هنا تُحاول روسيا استخدام كلّ الوسائل المتاحة لخدمة توجّهاتها السياسية التي شرّعت من خلالها غزوتها لأوكرانيا، حيث أعلنت محاربتها للنازية المتفشية فيها. لذلك كانت أهمية دعوة وفد «حماس» إلى موسكو، حيث حملت الدعوة في مضمونها الخاص موقفاً روسيّاً ينسجم مع إعلان المتحدّثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا أنّ «هناك مرتزقة من إسرائيل يُقاتلون إلى جانب كتيبة «آزوف» المتطرّفة»، في «آزوفستال».
وفي ظلّ هذا الانفتاح الروسي على حركة «حماس» واتهام الإسرائيليين بالانخراط في الحرب مع أوكرانيا، باتت الآفاق مفتوحة أمام الدولة العبرية في دعم مباشر للنظام الأوكراني بالسلاح والمعلومات اللوجستية والاستخباراتية والتجييش الدعائي العالمي ضدّ روسيا، لما لدى إسرائيل من خبرة وباع طويل في ممارسة هذه الحروب التي اكتسبتها في حربها ضدّ العرب واستخدام «الهولوكوست» في العالم لصالح التضامن مع صهيونية الدولة الإسرائيلية.
من هنا يُطرح سؤال: هل سيكون الردّ الإسرائيلي على المواقف الروسية بالوقوف إلى جانب أوكرانيا أمراً طبيعيّاً؟ ستعمل إسرائيل على مضايقة روسيا في سوريا من خلال تكثيف الضغط العسكري على إيران وميليشياتها من ناحية، والضغط على الإدارة الأميركية لاتخاذ خطوات سريعة لمساعدة أوكرانيا في حربها ضدّ روسيا من ناحية أخرى.
من المؤكد أن توتر العلاقات لن يكون لمصلحة موسكو في الوقت الحالي، لذلك ستعمل روسيا على سحب فتيل التوتر سريعاً، وقد يكون اعتذار بوتين لبينيت عن كلام وزير خارجيّته خلال مكالمة هاتفية الخميس الماضي هو خطوة من خطوات التهدئة بين الطرفين. وهذا يعني أن السياسة الروسية التي تعتمد على الفلسفة التجريبية، لن تكون قادرة على المناورة واللعب بالأوراق المختلفة، فالوقت ليس لصالح الكرملين.