خفّ بريق حراك النبطية، لم تشهد الساحات إقبالاً على "التظاهر" على الرغم من أن التظاهرة أمام مصرف لبنان "لب المشكلة"، و"هندسته المالية" جوهر أزمة اقتصاد لبنان، ولكن أحداً لم يحضر للاحتجاج، فقط القلّة القليلة ممن حملوا شعاراتهم "ليسقط حكم المصرف" ساروا تحت الأمطار للاعتصام أمام المصرف. يقول أحد المعتصمين: "إن الهندسة المالية هي من أوقع البلد في عجز خطير، والمطلوب تصويب الأهداف لثورة الشعب"، ورأى آخر أن "الثورة إن لم تلملم أهدافها الواضحه قد تنحرف عن مسارها".
إعتصام وفتح طرق
لم يدم الاعتصام دقائق ليعود المعتصمون إلى قواعدهم قرب سراي النبطية التي فتحت أبوابها، كحال العديد من المدارس الخاصة والجامعات، وأيضاً اوتوستراد النبطية - الزهراني عند دوار كفررمان، الذي استعاد عافية حراكه اليومي وزحمته، بعدما نقل حراك كفررمان الشعبي خيمته إلى جانب الطريق عند اوتوستراد السيد موسى الصدر، من دون أن يتخلى عن أهداف حراكه وثورته التي خرج لأجلها إلى الشارع، ضمن انتفاضة 17 تشرين.
ففيما كان عدد المنتفضين يتراجع، سجلت عودة سوق الاثنين الشعبي وحركته المعتادة، وايضاً زحمة طرق النبطية على مرأى من عيون شبان الثورة وكوفيّاتهم. وحده بائع الأعلام لم يخذل "الثورة الشعبية"، حضر باكراً وانتظر قدوم "ثوار الوطن"، ولكنهم على غير عادة الايام العشرة الماضية لم يأتوا، بل جاء 10 مهندسين من مدينة صيدا للتضامن مع ثوار المدينة، الذين قرروا أن يغيروا طابع حراكهم أمس ويخلقوا مساحات حوار في ما بينهم، حوار لربما أفضى إلى مخاض "الأهداف الرئيسية" للثورة، ثورة سرعان ما خلعت ثوب حماسة الجمهور، كما حال الاغاني الثورية التي هي عصب الساحة. لم تنادِ جوليا "يا ثوار الأرض" في اثنين النبطية، ولم تصرخ ماجدة "انتفض" لشبانها، حتى صوت محمد اسكندر وسؤاله عن ملايين الشعب لم يرافق الثوار إلى أمام مصرف لبنان، وحده الصمت، التعجب، البحث عن المنتفضين بين سيارات المدينة هو الذي شغل "ديناموات" الثورة.
سيدة العلم غابت
اللافت أن سيدة العلم الكبير الذي تحمله في مقدم التظاهرة وهي تلفّه على جسدها الموجوع من مرض الإفلاس، وضغط البطالة، وسعال الازمة، وحريق الوطن... غابت عن الساحة، ما فرض تساؤلاً: هل انتهى حراك النبطية؟ هل حقق مطالبه؟ هل ستبقى القلّة معتصمة؟ هل سيحصل أي مستجد طارئ يقلب الرؤوس مجدداً لتستفيق من كبوة الصمت؟ أسئلة لم يتمكن نهار النبطية، الذي شهد تراجع محمد صباح عن استقالته من بلدية النبطية، أن يجيب عليها، ولا حتى خيمة اعتصام كفررمان تمكنت من الإجابة عليها، رغم تأكيد فاطمة "اننا باقون في الساحات، ونراقب أحداث الوطن لنبني على الشيء مقتضاه". كذلك أكد كامل أن "ثورتنا وردية رغم دخولنا في الخريف"، رافضاً وصفها بـ"الثورة الملونة"، رغم تأكيده أن هناك "من يحاول قطف ثمار الشعب لتحقيق مكاسب على حسابنا".
لم تشفع أحداث الشمال ولا الضنية أو البقاع أو الجية أو صيدا بجذب الثوار إلى الساحة، بقي العدد محدوداً طيلة النهار، مع وجود جسر حماية للجيش الواقف من أجلهم، وهو الذي أشرف على إعادة فتح الطريق عند دوار كفررمان الذي شهد حركة عادية، ربما بانتظار ورقة ضغط جديدة يمارسها الثوار الباقون لشحذ همم من خرج من الساحة. يقول أبو يوسف وهو سائق "فان" إنه مع المطالب المحقة للشعب ولكنه ضد إقفال الطرق، كان فرحاً بإعادة فتح الطريق ولكنه يسأل ماذا بعد الحراك، ماذا عن أزمة البنزين التي تلوح في الافق ومعها أزمة الرغيف وضمنها أزمة الدولار وغيرها الكثير، ما نحتاجه وطن متماسك خالٍ من الفساد.
إلى أين؟ هو السؤال الذي يفرض نفسه على قارعة ثورة شعبية محضة، غيرت مسار وطن كان يحتاج إلى خضة ولكن متى يبدأ طريق الإصلاح الفعلي، المؤكد أن النبطية اليوم ستشهد يوماً آخر من العمل وحراكاً آخر من المطالب، فهل سيأتي الثوار أم ينتقلون إلى مسرح المتفرج؟ فغدا لناظره قريب.