مازن مجوز

طرابلس "أيقونة" الثورة

5 دقائق للقراءة
رويدة رافعي مسقاوي (في الوسط)

على وقعِ هتافات "الشعب يُريد إسقاط النظام " و" كلّن يعني كلّن" والموسيقى الحماسية الصاخبة، يُمكنك تأمل لوحات فنان الكتابة على الجدران محمد أبرش، يُعاونه عدد من المعتصمين في تغيير وجه "ساحة النور" في طرابلس الفيحاء، التي تحولت خلال أيامٍ معدودة إلى أشهر ساحات الاعتصام في لبنان، وأكثرها حصداً للألقاب فهي "عروس" الثورة و"جوهرتها" و "أيقونتها".

عوامل كثيرة دفعت بأهل المدينة للنزول بالآلاف إلى ساحة عبد الحميد كرامي، حتى ساعاتٍ متأخرة من الليل للمطالبة بتحسين أوضاعهم المعيشية، وتأمين فرص العمل ولإسقاط الطبقة السياسية الحاكمة من دون ترددٍ أو خوف.

حلمنا حكومة تكنوقراط وقانون انتخاب جديد

يقولُ المحامي صالح المقدم "شهدت طرابلس 24 جولةَ قتال، وقد دفعت ثمنها، أرفضُ تصويرها كمدينة تأوي إرهابيين ودواعش، ومن سوّقها هو الاعلام الموجه في لبنان"، مطالباً بحقوق مدينته كاملة وبتغييرٍ جذري، وهذا ما وحّد الطرابلسيين في "ساحة النور"، محمّلاً الطبقة السياسية فيها مسؤولية الخلل الاقتصادي السيئ جداً والفقر الكبير الذي تعاني منه.

ويضيفُ خلال مشاركته أبناء مدينته الإعتصام أن ما يميز الثورات الحاصلة حالياً أن لا قيادة لها، فهي إما أن تولد بقائد وإما أنّها لن تستطيع أن تعّين قائداً لاحقاً، مؤكداً أن من يحافظ على هذه الثورات هم أهل المدينة بطريقة حضارية، وأن طرابلس لا تزال الأكثر تميزاً بين عشرات الثورات المناطقية، وللمرة الاولى ينصف الاعلام المدينة ويُعطيها صورتها الحقيقية.

ويقاطعه طلال كبارة، أحد نشطاء الثورة: "لدينا حلم هو انتخابات نيابية مبكرة بعد تأليف حكومة تكنوقراط، وقانون انتخاب جديد يتمكن من الإتيان برئيس جمهورية جديد وبحكومةٍ جديدة"، واصفاً ما تشهده المدينة بأنّه "عرس بكل ما للكلمة من معنى"، مشيراً إلى أنّ لا قيمين عليه ولا منظمين ولا قادة، بل فئات طرابلس المختلفة هي من تسعى الى تقديم هذا الوجه الحضاري والحقيقي للمدينة.

ويشدّد على أنّ المدينة تجسد بثورتها اليوم التعايش الاسلامي- المسيحي، وهي عبّرت عن رفضِها للطبقة السياسية في الانتخابات النيابية الاخيرة، لافتاً إلى أننا نحن أبناء العلم والعلماء والرائحة الطيبة والناس الطيبين والثوار والابطال والاحرار، مُذكراً بأنّها المدينة الاولى التي قدمت شهداء للبنان، مبدياً ثقته "وإن شاء الله سنغير النظام بالاغاني والتصفيق"، شاكراً الشباب الجامعي والعاديين على الـ"ميكس" الرائع في تنظيف المدينة وفي توزيع المساعدات.

منصة دفاع منظمة ومتماسكة للدفاع عن الثورة

وتحت شعار "المدينة مظلومة ومقهورة" ترى المهندسة لينا الرافعي أن "ثورة طرابلس الفيحاء" تشكل دليلاً قاطعاً على استعادة المدينة عافيتها ونبضها الوطني، لتتحول إلى "أيقونة الثورة" في لبنان، وها هي تظهر وجهها الحقيقي للعالم أجمع.

وفي ردٍ على احتمالات تراجع الثورة وتضاؤلها تعلّق: "ستبقى أيدينا هنا متشابكة حول الانتماء للوطن فقط في وجه الشعارات المذهبية والحزبية، ولا تراجع قبل تحقيقِ مطالبنا وأهمّها إسقاط النظام الطائفي والتحاصصي"، داعيةً إلى رفع الحرمان المزمن عن المدينة، بعد أن أعلن المعتصمون أنّه ليس لديهم شيء يخسرونه وفعلاً معظمهم عاطلون عن العمل، متمنيةً أن لا يكون هناك متسلقون لهذه الثورة في الايام المقبلة.

ولم يعد خافياً على أحد في المدينة أن مؤسسات تجارية عديدة تطوعت ومنذ أيام لتوزيع وجبات الطعام والحلويات التي تشتهر بها طرابلس الفيحاء على المعتصمين، وكذلك عبوات المياه والعصير، بينما وجد بائعو "الفول" و "الكعكة الطرابلسية" و"عرانيس الذرة" وغيرها في ثورة مدينتهم مصدراً وافراً للرزق.

الوجوه الإعلامية في المدينة لم تألُ جهداً في مواكبة الثورة ومن بينها الإعلامي نبيل الرفاعي، الذي يرى أنّ الشباب الطرابلسي حقق إنجازاً كبيراً بكسره هذه الصورة النمطية والمجحفة بحق مدينتنا العريقة حتى وصفها البعض بـ"قندهار"، مشدداً على أن المدينة ستبقى رمزاً للعيش المشترك والمحبة والسلام والاصالة.

وبرأيه، فإن المشاركة الكثيفة في "عروس التظاهرات" بدأت بـ 60 ألف ثائر، واليوم وصلت الى 130 ألفاً، شارحاً: "أرقام قياسية لم يكن أحد يتوقعها، هكذا أردناها ثورة تجتاح مواقع التواصل الاجتماعي اللبناني العربي والعالمي"، لافتاً إلى أن مدينته نفضت عنها ثوب الارهاب والذي ارتدته رغماً عنها إلى غير رجعة، ومؤكداً أن كلّ من يحاول خرق صفوفنا سنصفه بالإسم، لأنّ صوتنا بات مسموعاً ولا قدرة لأحد بعد الآن على إسكاته.

وفي السياق نفسه تجدّد الدكتورة الجامعية رويدة رافعي مسقاوي التأكيد على "سلمية الثورة"، "متمسكون بالعيش المشترك، وأقوى سلاح نحمله هو وحدتنا وتضامننا في مطالبنا، والشعب الطرابلسي أثبت أنه شعب راق وسيبقى كذلك"، موضحةً أن "مطالبنا لا تتوقف عند استقالة الحكومة وحدها ولا مجلس النواب لوحده" ولكن "كلّن يعني كلّن"، واصفةً السهرة بـ"الجميلة" هنا، وسنبقى نحمل العلم اللبناني "علم الثورة"، وتتابع "خرجنا اليوم في عرسٍ حضاري مطالبين بتأمين حقوق أبنائنا وفرص العمل لهم وسنبقى في الساحات".

وفي الختام، مما لا شكّ فيه أنّ طرابلس تُسجل أروع مشاهد الثورة حيثُ يزداد عدد المتظاهرين في ساحة النور التي ضاقت بهم، متمسكين بشعار "الشعب يريد إسقاط النظام" وبرفض الاوضاع المعيشية المتردية وكأنّ لسان مدينتهم يقول "هذه حقيقتي"، مرحبةً بالمواطنين الوافدين اليها للمشاركة في ثورتها، وهذا ليس غريباً على مدينة وصفتها إحدى وسائل الاعلام بـ"جوهرة الثورة".