الثورة في "كوما"، والحراك على المحك والساحات تخلو من نشطاء الثورة، والترقب سيد وجوه الحاضرين الباحثين عن ثورجيّ آتٍ من خلف جدران الصمت او ربما ضجيج السيارات التي تجوب شوارع المدينة الممتلئة بالعسكر.
عادت النبطية المدينة لحركتها المعهودة، محال تجارية مفتوحة على حسوماتها التي لم تحظ بإقبال "الرواد" فالوضع الاقتصادي "دون الصفر" كما الحياة صفر بكل مشاربها، فالثورة التي شدّت اليها الثوار خفت نجمها في ساحة الحراك، حيث الاعداد قليلة مقارنة بمطالب كثيرة، يحتاجها الجميع، فالحد الادنى للأجور لا يكفي للحياة، ولا الـ750 الفاً قادرة على تأمين متطلبات الحياة اليومية، حتى العامل اليومي الذي يحصل على 30 الف ليرة يكاد يختنق من فواتير الدولة وخصخصات الفواتير من الاشتراك بالمولد الكهربائي الى شراء المياه والهاتف والانترنت، حتى هلت عليه ازمة بنزين معطوفة على أزمة طحين ودواء وتتوّجها أزمة الدولار.
كل تلك الازمات لم تدفع بالثوار الجدد للنزول الى ساحة معركة الدفاع عن الحقوق المهدورة والمسجونة في سجن السلطة الفاسدة كما وصفها علي، الشاب العشريني الذي يحاول تدوير الزوايا، يقف امام شعارات الساحة التي تضامنت مع ساحة صور، كما حال الحاجّة فتحية، ويسأل اين الثوار: لماذا غادروا ساحة المعركة قبل حصاد الثمار، لا يتردد علي الباحث عن فرصة عمل مفقودة في لبنان بالقول "خرجنا الى الشارع بحثاً عن الامل، تعلقنا بتلك القشة، على أمل ان نحقق شيئاً، لكن هناك من يعمل في لبنان على حرف سفينة خلاصنا عن مسارها الصحيح".
كان الترقب والقلق سيدي ساحة النبطية، فاحداث ساحات لبنان شغلت الجميع، ربما لانه تُبنى عليها خطوات الغد، يقر الدكتور رائد بتراجع الاعداد الى حد الـ1 بالمئة، ويؤكد انه لربما كانوا في اعمالهم، او فضلوا الترقب كما حالنا، يعول على خطوات مفاجئة، ويؤكد المضي في المسيرة حتى تحقيق المطالب، معتبراً استقالة رئيس الحكومة سعد الحريري ليست الهدف المنشود بل اسقاط كل النظم الطائفية واصلاح برامج السياسة العامة الزراعية والاجتماعية والصناعية والاقتصادية في البلد مع ضخ دم جديد هي بداية الحل، على عكس علي أبو زيد الذي اعتبر ان استقالة الحريري انتصار للثورة، فهو رضخ لمطالب الشعب على عكس غيره".
لولا كلمة الحريري وما بعدها لما كانت هناك اجواء حراك في كفررمان ولا النبطية، فالصدمة الآتية من خلف الاستقالة وما بعدها تدفع بفاطمة للسؤال هل سيقبلها الرئيس ميشال عون، ام انها لعبة سياسية لتنفيس الجو الشعبي وامتصاص حراكه السلمي؟" غير ان سلمان يذهب في اتجاه آخر ويعتبر أنه يجري تسييس الحراك لتوجيه الضربات بين اسياد السلطة، فالحراك يجب ان يحافظ على هويته الشعبية الوطنية الوحدوية، وهذا دفعنا للتضامن مع ثوار صور.
بجانب ساحة الاعتصام في النبطية فتحت السراي ابوابها امام المواطنين، حالها حال كل او معظم الدوائر الرسمية في المدينة كما فتحت ايضاً ابواب المدارس الخاصة ما عدا الرسمية وكذلك استجابت الجامعات الخاصة لنداءات الطلاب بفتح ابوابها، وسط مناشدة اهالي طلاب المدارس الرسمية وزير التربية بفتح ابواب مدارس النبطية.
على مقربة من دوار كفررمان وقف المعتصمون في الخيمة يتابعون كلمة الحريري، على رغم انها قصيرة الا انها اعادت لهم الحماسة، التي فقدت في اليومين السابقين، فالخيمة التي يسيطر عليها العصب اليساري بأفكاره كافة تحاول ان تلملم حضورها الشعبي الذي تراجع خلال اليومين السابقين، وسط تساؤل خفي عن الاسباب رغم مطابقة المطالب مع حاجات كل الناس، غير ان حسابات الحقل تختلف عن حسابات بيدر الناس سيما الذين يخشون على لقمة عيشهم، وهناك من سلم الراية لمن هم في الساحة، من ذوي الغالبية الشبابية والذين لفوا اعناقهم بالكوفية الفلسطينية رمز الثورة، وتمسكوا باهدافها الوطنية العريضة، وغاب عن بالهم تفنيدها تفصيلياً لتحقيق مكاسب اسرع، فالحراك الناجح وفق تشي غيفارا هو الحراك الذي ينطلق من جذور متفرعة بالاهداف الراقية والواعية، وربما هذا ما حدا بالقيمين على الساحة الى اعتماد مبدأ المحاضرات التوعوية حول مبادئ الثورة واهدافها، وتناسوا تغيير العقلية الفكرية وتطهيرها من لغة "الاحادية" وصولاً إلى ميناء الاهداف.شرّع الثورجيون الجدد اسلحة حراكهم المثقلة بالكثير من المعوقات، شرعوا ابوابهم لاستقبال التغيير الآتي من خلف استقالة الحريري، لاعتقادهم ان بداية التغيير انطلقت والحبل على الجرار، ولكن هل يملكون قدرة الصمود اكثر في الساحة مع هذا العدد القليل، ام ستسود حالة التململ جوهم العام فتطفئ شعلتهم قبل ان تكمل شهرها الاول. العبرة في تغيير مسار ايام الثورة الآتية في الغد.