نوال نصر

قصة لبنانية من قصص الفلتان والتشبيح

ما دور مصطفى حمدان في قضيّة مسرحها برّ الياس؟

18 أيار 2022

02 : 00

الطريق ليس دائماً سالكاً
قبل الإنتخابات وبعدها وفي ظلِها، هناك أزمات تستولد أزمات. هناك، في برّ الياس، في قضاء زحلة في البقاع، على بعد 51 كيلومتراً من بيروت، أزمة أبطالها من آل عراجي، من قلب العائلة الواحدة. هي قصة عائلية؟ مصطفى حمدان، أمين الهيئة القيادية في حركة الناصريين المستقلين المرابطون، قال لنا ذلك سائلا: "وشو خصكم إنتو بقصة عائلية؟". لكن، من يتابع القصة يعرف ان القصص العائلية تستبطن غالباً قصصاً تتطور الى أزمات كبرى تتراكم مشكّلةً ظلماً وقهراً وموتاً خصوصاً حين تتدخل فيها حركات. حركة المرابطون تدخلت فاستعرت الأحداث منذرة بأن الآتي قد يكون أعظم!





بالوقائع، إرتفعت أصوات من برّ الياس طالبة "النجدة" بعدما أقفل "القضاء" و"الأمن" الأبواب في وجوههم. هم أناس من آل عراجي، هاجر بعضهم، وصمد بعضهم، ويُمعن بعضهم الآخر في "اللعب على وتر" الأمن العائلي (وربما المجتمعي) في المنطقة. ليدا عراجي، التي تصرّ على المجيء الى لبنان كلما سنحت لها الظروف، أتت قبل شهرين من كندا الى بلدها الأم وغادرت من دون أن تتمكن من الدخول الى منزل أهلها، في برّ الياس، إلا بمرافقة قوى الأمن لأن أحد الأقرباء أقفله ووضع عليه: مقفل الى الأبد. لم تبدأ طبعاً هنا القصة كما لم تنته أيضاً هنا.

إطلاق نار وبتر قدمبدأت القصة قبل عام ونصف تقريباً، بسبب إشكال عائلي حصل ضمن العائلة الواحدة، حصل خلاله إطلاق الرصاص فأصيب أحد أفراد العائلة في قدمه التي بترت لاحقاً بسبب الإهمال على ما قيل. ليدا، الموجودة حاليا في كندا، تقول إن الحادثة حصلت دفاعاً عن النفس وسببها غياب الأمن والقضاء وعدم تدخلهما في الوقت المناسب. تأخر القضاء فأطلق الرصاص. واليوم، تستمر الأزمة تتطور وتتطور وتتطور... في ظلِّ تدخل "المرابطون" (بحسب ليدا عراجي) عبر أمين الهيئة القيادية في حركة الناصريين المستقلين العميد المتقاعد مصطفى حمدان.



مصطفى حمدان



إتصلنا بالعميد. سألناه عن دوره فأجاب: "فشروا. هـي قصة عائلية ولا دخل لي بها. أحد أفراد العائلة أطلق رصاصة على إبن عمه "فقطشوا إجرو". أنا لا أتدخل في قصص شخصية وفي الأجهزة الأمنية لذا إذا صحّ أنهم زجوا باسمي فسأكلف المحامي رفع دعوى شخصية". وتوت توت توت... أقفل العميد الخط.

فلندخل في التفاصيل. المحامي خالد الشحيمي الذي يتابع القضية يقول: "القصة متشعبة جداً. حدثت تطورات كثيرة فيها وجميعنا يعلم أن وضع البلد غير سليم قضائياً وأمنياً. بدأت المشكلة بين شومان عراجي الذي هو مدير مستوصف برّ الياس، الذي سبق ووجدت أدوية منتهية الصلاحية لديه. هذا الشخص إفتعل مشكلة مع رجاء عراجي، موكلتي التي كان زوجها طبيباً في المستوصف واسمه شمدين عراجي، وتوفي لاحقاً بعد إصابته بفيروس كورونا. افتعل شومان مشكلة مع موكلتي فأطلق إبنها، الذي تعرّض للإعتداء رصاصة فأصاب شومان في قدمه، وبعد أربعة أشهر، بسبب الإهمال، بترت القدم".

ممنوع الدخول... إلى الأبد



ضرب فتوقيف فإطلاق سراح


ننصت الى المحامي في انتظار معرفة كيف تحولت القضية العائلية الى مشكلة عامة مفتوحة، تتطور سلباً ضمن العائلة الواحدة والحيّ الواحد والمنطقة الواحدة. يتحدث المحامي الشحيمي عن "مرور مازن، شقيق رجاء، بعد فترة من امام منزل شومان فخرج ابنه عمر، وهو رقيب في الشرطة، واضعاً مسدسه الأميري حول خصره، وضربه بشكل مبرح على أسنانه، محطماً العديد منها، فنُقل على الأثر الى المستشفى. تقدمنا بشكوى فأوقفوه خمس ساعات وعادوا وأطلقوا سراحه. رفعنا الشكوى، في يوم 7 من شهر آب 2021، أمام النيابة العامة فحُولت الى قاضي التحقيق وحتى اليوم لم تُعيّن أي جلسة. إنه الإهمال المتمادي.


نتابع. جاءت القصة الثانية، حين أتى المعتدي عمر الى منزل أهل ليدا عراجي (زوجة مازن شقيق رجاء) واعترضوا طريق والدتها وهي مديرة ثانوية بر الياس الرسميه وتدعى عايده غنوم ومنعوها من الدخول إلى بيتها. أُبعدت المديرة عن منزلها بالقوة وها قد توفيت إثر ذلك قهراً بعدما إضطرت لحمل حقيبتها والمغادرة. توفيت في 20 آذار الماضي، قبل يوم واحد من عيد الأمهات، ونعتها أسرة الثانوية بالقول: "كانت الناظرة الأم والمربية الحنون". والأسوأ من كل ما سبق حدوثه هو أن عمر هجم أثناء قراءة القرآن في اليوم الثالث، بعد وفاة المربية، يرافقه اثنان من آل عراجي وأطلق الرصاص في وسط العزاء فهرب المعزّون. نستمع الى القصة وكأننا في فيلم بوليسي. كل ذلك يتم وكأن لا أمن ولا أمان ولا قضاء ولا أحكام.



هنا برّ الياس



إقفال بيت بالقوة

أولاد عايده غنوم تعبوا من كثرة "اللف والدوران" على الجهات الأمنية وتقول ابنتها ليدا: "ماما شعرت بالقهر كثيراً وطلبت منا قبل رحيلها أن نبقى خارج لبنان بسبب وجود كثير من الزعران في البلد" وتستطرد "وصلني تهديد بألّا أعود الى لبنان ووجودي هنا ممنوع. هددوا ونفذوا بزوجي مازن. وكل القضية موثقة في محضر في مخفر شتورا. إشتكيت وأرفقت بالشكوى كل رسائل التهديد التي وصلتني لكن لم يحرك أحد ساكناً. وأكثر من ذلك أيضاً هجموا على موكلتي ماغي وزني. قصدت مصطفى حمدان الذي يحتمي به هؤلاء فطلب مني ألّا أخبر مدير عام قوى الأمن الداخلي اللواء عماد عثمان بتطورات القضية، حين عرف بأنني سأنقل إليه كل ما يحدث، وقال إنه سيتدخل ولن أكون إلا "مبسوطة". مصطفى حمدان هو صديق بسام وشومان عراجي. وبسام هو أمين مجلس محافظة البقاع في حركة المرابطون. إنه، بحسب ليــدا، تدخــل أكثــر مــن مرة من أجل حماية المعتدي عمر إبن شومان".

أسماء أسماء القاسم بينها أن أطرافها من عائلة واحدة وأن الأزمة متعددة الأوجه وتستمر مفتوحة. مصطفى حمدان أنكر أن يكون قد تدخل في الموضوع. فماذا يقول المحامي الشحيمي؟ أتى العميد يوم التحقيق مع عمر بعد توقيفه، وسعى بشتى الوسائل والضعوط لإقفال التحقيق بعيد فتحه على الرغم من كل مراجعاتي. وقد توجهتُ الى مكتب النائب العام الإستئنافي في البقاع منيف بركات من أجل التوسط في الموضوع لكن إستمرت القضية - القضايا في الإتساع.



مستوصف البلدة



هكذا تتطور القصص في لبنان للأسف. هنا، نسأل المحامي: ألا تمت هذه القضية الى قضايا الأخذ بالثأر؟ ألا تندرج ضمن القضايا التي يستقوي فيها أفراد على أفراد متكلين على "قوّة" ما صودف، بحسب كلامهم أنها "المرابطون"؟ يجيب: "صحيح ان العائلة هي منقسمة على نفسها لكن، هناك من قرر شخصياً إقفال بيت ومنع أهله وأصحابه من الدخول إليه. والدولة غير موجودة وكأنها غير معنية بكل ما حصل".

قصة تناسلت وولّدت قصصاً. لكن، هل يمكن السؤال عن القرار الذي اتخذ في القضية الأولى؟ هـل أساء القضاء الحكم على من أطلق الرصاصة الأولى التي أصابت قدم شومان والد عمر الذي أقحم نفسه تالياً في كل القصص اللاحقة؟ يجيب الشحيمي "القضية الأولى كانت دفاعاً عن النفس لأن المبادر إلى إطلاق النار كان يتعرّض للضرب. سلاحه كان مرخّصاً كون وظيفته في أحد المصارف توجب ذلك ولأنه يمر يومياً عبر طريق السعادة في بر الياس التي تشهد حوادث سرقة متكررة. وهو أطلق النار في الأرض لإبعادهم فاخترقت الرصاصة قدم شومان من طريق الخطأ. لكن ذوي شومان أظهروا الموضوع وكأنه محاولة قتل. إستغلوا صلاتهم مع مصطفى حمدان لمناصرتهم ومنع المضي في القضايا المتفرّعة من القضية الأولى.

هي قضية عائلية؟ نعم. لكنها عائلة لبنانية بحت وقد تتكرر القضية مع أيّ كان في ظلِّ غياب الدولة وعدم تدخلها السريع من أجل وقف تراكم المشكلات مثل جبل الثلج.

ليدا عراجي هي الآن في كندا. في دولة ليست فيها "شريعة الغاب". وهي، قبل أن تغادر، وقفت عند قبر والدتها ووعدتها بأن الحقّ سيعود يوماً الى أصحابه. تُرى هل سيأتي هذا اليوم الموعود؟ هي تثق بذلك. المحامي الشحيمي يثق. وكثيرون من بيت عراجي في بر الياس يثقون.

يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.