خالد العزي

تركيا والغرب في ظلّ الحرب الأوكرانيّة - الروسيّة

19 أيار 2022

02 : 01

أردوغان خلال إلقائه خطاباً في أنقرة أمس (أ ف ب)

لا شكّ بأن السياسة التركية تسير وسط الشوك في ظل الخلاف الأوروبي - الروسي الذي تُرجم في الحرب الروسية - الأوكرانية، بحيث بات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يُسلّط الضوء على سياسته المنتهجة للوصول إلى لعب دور وسطي في المشكلة الكبرى بانتهاج سياسة محايدة وايجابية، محاولاً من هذه السياسة المتبعة الوصول إلى مكاسب سياسية يُحققها لأنقرة للاستفادة من وضع تركيا على لائحة الدول العالمية التي يُستمع لدورها.

لا بد من القول إن موقف أردوغان من ضمّ السويد وفنلندا إلى حلف الناتو كان رسالة واضحة لتطمين روسيا بأن تركيا لا تزال تُمارس سياسة الحياد بالنسبة للحرب الأوكرانية - الروسية وعليها التجاوب السريع معها واعطائها حوافز لإبقاء أنقرة منصة فاعلة في الوسط، وقد تكون روسيا تلقفت العرض التركي الذي بدأ باخراج المقاتلين الجرحى (الأوكران) من مصنع «آزوفستال».

تبقى مشكلة التعامل الأميركي والاسكندنافي مع حزب «العمال الكردستاني» الذي تتهمه تركيا بأنه حزب إرهابي وبأن الولايات المتحدة تدعمه في تنفيذ العمليات الارهابية في سوريا وجبال «قنديل» في تركيا، وفي مناطق العراق التي يتمّ ضربها ومهاجمتها، وبالتالي هذه النقطة الخلافية يُمكن أن تكون مفصلية في كيفية إعادة ترتيب العلاقات بين البلدَيْن والناتو.

لذا فإن زيارة وزير الخارجية التركي مولود تشاوش أوغلو إلى واشنطن ستكون نقطة أساسية في تحول تركيا نحو الولايات المتحدة وأوروبا. ورأينا أن أردوغان حاول كثيراً انتهاج سياسة خاصة به، لكنّه ما لبث أن بدأ بالتراجع وبتغيير مواقفه تجاه مصر والسعودية والإمارات، ويأمل من الخليج العربي مساعدته من خلال تقوية اقتصاده بودائع واستثمارات عالية واعطائه حوافز في النفط والبترول والغاز وبالتالي استيرادها بأسعار زهيدة.

ويُمكن التوقف أمام نقاط عدّة دفعت أنقرة إلى ذلك، منها أن تركيا تُحاول القول إنها دولة في حلف الناتو، وبما أن هناك مشكلات بين روسيا والناتو، فهي تأخذ دوماً الجانب الحيادي كي لا توتر العلاقات ما بين الطرفَيْن، وفي الوقت نفسه تُحاول أن تفتح نافذة ما بين الناتو وروسيا عبرها.

وسبق لتركيا أن منعت كلّ السفن العسكرية من العبور في البوسفور والدردنيل بما فيها السفن الروسية. كما قدّمت نفسها منذ بداية الأزمة الروسية - الأوكرانية كوسيط، وتبلورت هذه الوساطة من خلال الزيارات التي قام بها أردوغان إلى موسكو وكييف، بالإضافة إلى جمع الطرفين في يالطا واسطنبول، واعتبرت أن لها مصلحة بالتهدئة خاصة لما لها من علاقات جيّدة مع كييف التي تزوّدها أنقرة بالسلاح والمسيرات من طراز «بيرقدار»، إضافةً إلى وجود تتر القرم الذين هم الأقرب إلى الأتراك المسلمين.

كما أن لأنقرة علاقة مع موسكو من خلال مشاريع الغاز عبر المتوسط، بالإضافة إلى وجودهما في سوريا والإتفاقات في منطقة إدلب، إلى جانب السياحة كون تركيا هي منفذ الروس لتخطي العقوبات. لذلك، تُحاول تركيا أن تستغلّ الفراغ الاقتصادي الذي تُرك في روسيا وتُحاول تعبئته والاستفادة لتطوير عملها وشركاتها ومؤسّساتها في ظلّ هذه العقوبات، وهي في الوقت عينه لم تقطع علاقاتها مع كييف وتزوّدها بالسلاح من خلال عقد موقع بينهما، لهذا السبب تعتمد في التعامل مع هذا الملف بايجابية وحيادية، ما سيسمح لها بلعب دور مميّز في التوسط لحلّ الخلاف الروسي - الأوكراني، ويُعزّز دورها في المنطقة وأمام الاتحاد الأوروبي والأميركيين.

وسيتمّ التباحث خلال زيارة وزير الخارجية التركي إلى الولايات المتحدة بالكثير من الملفات التي جُمّدت في الفترة السابقة، ومنها سحب منظومة صواريخ «أس 400» التي اشترتها تركيا من روسيا وتحويلها إلى أوكرانيا، لكن أنقرة اعتبرت أنها لا تملك مفاتيح هذه الصواريخ لأنّ العقد لا يسمح لها بذلك، وأن الروس هم المعنيون بهذه الصفقة، إذ إن شروط العقد تنصّ على أنّه لا يمكن تحويلها إلى دولة ثانية، ولا يُمكن بيعها، بل يُمكن فقط ارجاعها إلى دولتها الأساسية.

وبالتالي، إذا تمّ ارجاعها إلى دولتها الأساسية «ستخرّب» العلاقات بين تركيا وروسيا. إلّا أن الكونغرس كان له موقف وسطي يقضي بعقد صفقة بيع طائرات «أف 16» إلى تركيا، والتي قد تمهّد إلى بداية علاقات جديدة بين الكونغرس الأميركي والبرلمان التركي، لتمهيد الطريق أمام الصفقة الكبرى التي تمّ تعطيلها بتفعيل الامداد والتدريب العسكري والتقنيات التجهيزية التي تستوردها تركيا من الولايات المتحدة لتطوير سلاحها، ألا وهي إعادة العمل باتفاقية تزويد تركيا بطائرات «أف 35»، لكن لتنفيذ هذا العقد المطلوب من تركيا التخلّص مع صفقة «أس 400» الروسية.

هل ستُمهّد زيارة وزير الخارجية التركي لزيارة مقبلة لأردوغان بعد انتخابات الكونغرس لترتيب العلاقات التركية - الأميركية؟ وما هو الدور الذي سيكون منوطاً بالأتراك لتنفيذه في فترة الصراع الأوكراني - الروسي، خصوصاً أن أنقرة تملك أكبر جيش في الناتو بعد الأميركيين؟


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.