لا يزال مصير رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي بين أيدي شركائه في البرلمان، الذين يُناقشون سحب الثقة منه، مع اتساع الاحتجاجات في الشارع الذي يواصل المطالبة بـ"إسقاط النظام"، بعد مقتل نحو 250 شخصاً في التظاهرات وأعمال العنف. وباحتشادهم في "ساحة التحرير" في بغداد وفي مدن جنوبيّة عدّة، كسر العراقيّون على مدى الليلتَيْن الماضيتَيْن حظر التجوّل، وهم يُراقبون المناورات السياسيّة، مؤكّدين في الوقت نفسه أنّهم لن يقبلوا بأقلّ من رحيل جميع المسؤولين.
وفي وقت وافق هادي العامري، القائد شبه العسكري في البرلمان، الذي أيّد عبد المهدي من قبل، على العمل مع الزعيم الشيعي مقتضى الصدر، الذي يدعو منذ أوائل الشهر الحالي إلى استقالة الحكومة، حضّ الصدر العامري على التحرّك لتجنّب "تحويل العراق إلى سوريا أو اليمن"، بينما كان رئيس الجمهوريّة برهم صالح قد عقد مشاورات ليل الثلثاء - الأربعاء مع العامري ورئيس البرلمان محمد الحلبوسي، لمناقشة مسألة استقالة رئيس الوزراء.
توازياً، اعتبر مرشد الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة علي خامنئي أمس أنّه "عندما تنهار الأطر القانونيّة في بلد ما، لا يُمكن القيام بأيّ عمل". لكن رئيس الوزراء السابق أياد علاوي رأى أن "التخوّف من عدم وجود بديل للحكومة الحاليّة حجّة واهية لتسويف المطالب الجماهيريّة". وكان الصدر والعامري، الشريكان الرئيسيان لرئيس الوزراء عادل عبد المهدي، اتفقا ليلة الثلثاء - الأربعاء على أنّهما سيتعاونان لـ"سحب الثقة" من رئيس الحكومة المستقلّ، الذي يُطالب الشارع بإسقاطه منذ مطلع تشرين الأوّل.
وهكذا، أصبح مصير عبد المهدي بين يدي البرلمان، الذي لا تزال جلساته مفتوحة حتّى إشعار آخر. وكان مجلس النوّاب قد دعا عبد المهدي للحضور إلى البرلمان "فوراً"، لما قد يتحوّل إلى جلسة مساءلة وتصويت على سحب الثقة. لكن رئيس الحكومة لم يُعلّق حتّى الآن على تلك الدعوة، كما أن البرلمان لم يُحدّد موعداً لالتئام مشرّعيه لاستئناف جلسته.
وفي الأثناء، قُتِلَ شخص وأصيب عشرات المتظاهرين، بعد تفريق قوّات الأمن العراقيّة المحتجّين الذين كانوا يُحاولون الوصول إلى السفارة الإيرانيّة في بغداد، فيما أفادت مصادر أمنيّة عراقيّة عن مقتل جندي وإصابة آخر نتيجة سقوط قذيفتَيْ هاون على "المنطقة الخضراء"، في وقت ردّد متظاهرون في مدينة البصرة الجنوبيّة شعارات: "لا مقتدى ولا هادي" و"كلهم كلهم"، في تأكيد على رفض الحراك الطبقة السياسيّة برمّتها، من دون استثناء مقتدى الصدر وهادي العامري. وقُتِلَ أكثر من 100 شخص وأصيب 5500 آخرون بجروح، في أسبوع من الاحتجاجات العنيفة، بحسب ما أعلنت المفوضيّة العراقيّة لحقوق الإنسان. وتشمل هذه الحصيلة مجموع القتلى من المتظاهرين والقوّات الأمنيّة، منذ استئناف الموجة الثانية من الاحتجاجات المناهضة للحكومة يوم الخميس الماضي.
ويرى مراقبون أن عبد المهدي المستقلّ غير المدعوم حزبيّاً أو شعبيّاً، لا يزال رهينة زعماء الأحزاب الذين أتوا به إلى السلطة. والتهم الموجّهة إلى الطبقة السياسيّة الفاسدة في العراق، هي التقصير في توفير الوظائف والخدمات وملء جيوبهم بالأموال العامة، بحيث تبخّر أكثر من 450 مليار دولار في 16 عاماً، بحسب أرقام رسميّة. وفي هذا الصدد، قالت الباحثة في معهد الأزمات الدوليّة ماريا فانتابي لوكالة "فرانس برس" إنّ "استقالة أو إقالة عبد المهدي سيُنظر إليها كنقطة تحوّل من قبل المتظاهرين". لكن ذلك قد يؤدّي إلى "استراحة للحراك أكثر منه نهاية للحراك"، وفق فانتابي، إذ أنّه باحتلال الساحات في المدن الكبيرة من البلاد، "يؤكّد العراقيّون وجودهم في وجه مسؤوليهم". وشدّدت الباحثة نفسها على أن "انتخابات مقبلة وفق القانون الانتخابي نفسه، ستأتي بنفس الوجوه إلى البرلمان وستؤدي إلى التحالفات نفسها لإيجاد رئيس للوزراء"، في برلمان منقسم، حيث يتبادل أعضاؤه الاتهامات بالولاء لإيران أو للولايات المتّحدة.