عيسى مخلوف

جدار الحياة المُتَصَدِّع

4 دقائق للقراءة
غلاف الرواية سيلين إثان الحرب العالميّة الأولى

حياة بعض الروايات كحياة البشر تنطوي على حكايات كثيرة، وهذه حال رواية "حرب" للكاتب الفرنسي لْوي فردينان سيلين (1894-1961)، وقد صدرت حديثاً عن دار "غاليمار" في باريس. هذه الرواية هي الجزء الأوّل من ثلاثيّة تُنشَر تباعاً، وقد وُجدت بين المخطوطات التي فقدها الكاتب وتتضمّن ألوف الصفحات، وهي معروضة اليوم في غاليري الدار في حيّ "السان جيرمان"، مع صور فوتوغرافيّة ورسائل.

ما قصّة هذه المخطوطات؟ في السابع عشر من شهر حزيران 1944، ومع اقتراب تحرير فرنسا من الاحتلال، شعر سيلين بأنّه مهدّد بسبب المواقف التي اتّخذها خلال تلك الفترة، فغادر بلاده برفقة زوجته لُوسِيتْ تاركاً في شقّته الباريسيّة كتبه والمخطوطات التي ضاعت وعُثر عليها مؤخّراً، وتكشف فصولاً جديدة من المشروع الأدبيّ لصاحب "رحلة إلى أقصى الليل".

في الكتاب الذي صدر منذ أيّام، وهو، في لغته وتطلّعاته وبنيته الفنّيّة، أقرب ما يكون إلى تحفته الأدبية التي أتينا الآن على ذكرها وأطلقت شهرته في العالم، ينهل سيلين من تجربته في الجبهة وإصابته بجروح أثناء الحرب العالميّة الأولى. وهو، هنا، كما في معظم كتبه، ينقلنا إلى مسرح الوحشيّة حيث تُخاض حروب البشر. يفتح عينيه ليرى ما حوله ويجد نفسه حيّاً. نصف حيّ، ونصف ميت. لكنّه كان كآلة تُسَجِّل ما يرى وما يسمع، وهو ممدّد بين جثث الرفاق والأحصنة النافقة، وسط الأنقاض والحرائق، وأصوات المدافع الآتية من بعيد، من دون أن تكون له القدرة على التفكير. وهذا ما يشير إليه في الصفحة 27: "لم أكن أعرف بماذا أفكّر دائماً. لم أكن في حالة تسمح لي بأن أفكّر مليّاً". نقرأ في مكان آخر: "أصابتني الحرب في رأسي، وهي محبوسة في رأسي". في هذه الحالة، تصبح الكتابة هي المسافة اللازمة لرؤية الحرب في أدقّ تفاصيلها وملامحها، في عبثيّتها ووحشيّتها، تماماً كما عاشها وخبرها سيلين الذي، حين أُصيب وشعر بالعطش، أخذ دماً بقبضة يده. دمه ودم الآخرين من حوله. ويفاجئنا في الصفحة التالية: "تعلّمتُ الموسيقى، والنوم والتسامح، وتعلّمتُ أيضاً، كما ترون، الأدبَ الجميل الذي أصوغه بأجزاء صغيرة من الأهوال المقتلعة من ضجيج لا ينتهي أبداً".

فكرة الحرب ليست جديدة في الأدب الفرنسي، وقد حضرت قبل الحربين العالميّتين. رواية "سالامبو" التاريخيّة التي تحمل توقيع الكاتب الفرنسي غوستاف فلوبير ليست رواية قرطاجة وحسب، بل رواية الحروب التي تلطِّخ تاريخ البشر بالدماء، زمناً بعد آخر، وجيلاً بعد جيل. قال كاتبها: "يوماً ما، سيتذابح ملايين البشر في جَلسة واحدة!". مع ذلك، ظلّ فلوبير يلتفت إلى ديانات وشعوب لم يعد لها وجود. وظلّ مؤمناً بوصول نجمة جديدة لميلاد جديد. أمّا لْوي فردينان سيلين فيكتب عن الحرب بقلم مُلتهب، ويذكّرنا، من فرط اقترابه من الموت العنيف، بعبارات للشاعر أرتور رامبو أبرزها ما ورد في قصيدته "فصل في الجحيم": "أدفن الموتى في بطني". ألم يتحدّث سيلين أيضاً عن "أكل الموتى"، في الصفحات الأخيرة من كتابه الصادر حديثاً؟ الكلمات هنا تصرخ، تزأر، تعوي. نرى الدماء تنساب بين حروفها مثل ماء يتسرّب من شُقوق جدار مُتَصَدِّع. وهي صورة لجدار الحياة المُتَصَدِّع، الحياة التي يقول عنها سيلين إنها "احتضار لا نهاية له"، ويضيف: "الموت حقيقة هذا العالم. أنت بين خيارين: تموت أو تكذب...؟".

سيلين لا يوثّق الأحداث من خلال روايته، ولا يُجَمِّل الواقع بالأدب. حتّى اللقطات التي تصوّر الجنس في الكتاب تبدو جزءاً من وقائع الحرب وحَفْراً في اللحم الحيّ المجرَّد. جهوزيّة اللحم للطَّعن الذي ما بعده طعن! وهذا ما يجعل الكاتب على ضفّة أخرى تبعده عن المبدعين الذين تفنّنوا في رسم الحروب، وقدّموا من خلال أعمالهم مشاهد باهرة جعلتنا، لشدّة جمالها، ننسى، للحظات، رعبَ القتل الآدميّ. من هؤلاء يخطر في بالي الآن السينمائي الياباني أكيرا كوروساوا في فيلمه "كاجيموشا، ظِلُّ المُحارِب"، كما تحضر لوحات الفنّان الإيطالي باولو أُوتشيلّو التي تطالعنا في متحف "اللوفر" وفي متاحف عالميّة أخرى.

الحرب مُرضِعَةُ العالم، ومُرضِعة التاريخ والحضارات المختلفة. لكن، حين تخرج الحرب من الواقع، وتتحوّل عملاً روائيّاً، ينقشع فيها البُعد العَدَميّ بصورة جليّة. منذ التوراة والملاحم الإغريقيّة حتى اليوم، تكشف الكتابة عن الحرب الوجهَ المُظلِم للنفس البشريّة، والدافعَ المَرَضيّ إلى قتل الآخر ومَعْسه مَعساً كذُبابة. يقول أينشتاين الذي فكّر طويلاً في الموضوع: "لا أعرف كيف ستكون الحرب العالميّة الثالثة، لكنّني أعلم أنه لن يتبقّى الكثير من الناس لمشاهدة الحرب العالميّة الرابعة". الحرب الجديدة المندلعة في أوكرانيا قد تستبق النهايات التي استشرفها أينشتاين في حال اللجوء إلى السلاح النوويّ الذي تُلوِّح به اليوم قوى الموت، تلك القوى التي وضعنا بين أيديها الغليظة مصائرَ حياتنا وموتنا.