في أول مشهد من فيلم التشويق البحري والخارق للطبيعة Mary، من إخراج مايكل غوي وكتابة أنتوني جاسوينسكي، تجلس "سارة غرير" (إيميلي مورتيمر) في غرفة استجواب في مقر خفر السواحل في "جاكسونفيل"، فلوريدا. وفق المعلومات التي نسمعها، تم إنقاذها بحراً مع ابنتَيها بعد التعرض لمحنة صعبة على اليخت، لكنها محتجزة الآن بتهمة القتل والتخريب ومجموعة من الجرائم الأخرى. تبدو مصدومة وجامدة وهي تجيب على أسئلة المحققة (جينيفر إيسبوزيتو) التي تعبّر عن عدم اقتناعها بقصتها. هل المركب نفسه مسؤول عن الجرائم؟ تقول "سارة": "الشر يحتاج إلى جسم كي يصبح حياً. الجسم كان ذلك المركب". لكنها تتفوه بهذه العبارة بنبرة غريبة، فلا تصيب الهدف. تستنزف الحوارات المبالغ فيها في السيناريو أجواء الرعب، بغض النظر عن نوع الرعب المطلوب. (كتب أنتوني جاسوينسكي الفيلم الممتاز The Shallows (المياه الضحلة) الذي تدور أحداثه أيضاً في محيط مرعب. لكنه لم يشمل حوارات كثيرة وتمحور بشكلٍ أساسي حول المفهوم الذي يقدّمه). لكن للأسف، لا يتخذ المفهوم الكامن وراء Mary (مع أنه جيد!) منحىً مرعباً ومريباً بالدرجة المطلوبة، مع أنه يحظى بفرص كثيرة لتطوير أفكاره.
يعيش الزوجان "غرير"، سارة (مورتيمر) و"ديفيد" (غاري أولدمان)، في فلوريدا مع ابنتَيهما: المراهِقة "ليندسي" (ستيفاني سكوت)، والطفلة "ماري" (كلوي بيرين). في أحد الأيام، يذهب "ديفيد" للبحث عن يخت للبيع. فيجد مركباً مهترئاً ومشبوهاً، ويتعرض لموقف غريب حين يتجول على سطحه. يحاول صوت البائع أن يستميله من وراء الشاشة، ويبدو أن قمة الصاري الحجرية المريبة (على شكل امرأة عارية الصدر ذات عيون جاحظة) تجذب "ديفيد" إليها. نعرف هذه التفاصيل كلها بسبب مختلف زوايا الكاميرا المائلة. تنزعج "سارة" لأن "ديفيد" يشتري المركب من دون استشارتها أولاً، لكنّ حماسه يعود ويقنعها. فيصلحان اليخت ويطلقان مشروعاً لتأجير القوارب. تبرز بعض التلميحات إلى أن الوضع بين "سارة" و"ديفيد" ليس سليماً بالكامل، ويرمز المركب إلى "بداية جديدة" لهما. سيحملان على متنه كل شيء: سعادتهما وأموالهما وزواجهما.
بعد إصلاح المركب، تنطلق العائلة في رحلة إلى برمودا وتتوجه مباشرةً نحو مثلث برمودا تحديداً. يشارك في الرحلة الزوجان "غرير"، ورفيقهما "مايك" (مانويل غارسيا رولفو)، و"تومي"، حبيب "ليندسي" (أوين تيغ)، وهو فتى لديه أوشام أمضى فترة في الإصلاحية وكان "ديفيد" مرشده. تكثر المؤشرات الغريبة منذ البداية. تبدأ "ماري" بالمبالغة في تصرفاتها وسرعان ما تصبح رسوماتها مقلقة بدرجة إضافية. تشاهد "سارة" آثار أقدام رطبة على طول الأرض، لكنها لا تجد أحداً. أما "تومي"، فيبدو منوَّماً مغناطيسياً تحت تأثير قمة الصاري. يُعتبر البحارة من أكثر الأشخاص إيماناً بالخرافات، ما يعني أنهم يصدّقون مشاعرهم السيئة. "ديفيد" بحّار متمرّس، ولكنه يتجاهل جميع المؤشرات. في فيلم Mary، لا أحد يهتم بالمؤشرات!
يتعلق أفضل جانب في المفهوم الذي يطرحه الفيلم باقتباسه من كتاب Christine لستيفن كينغ، لكن تدور الأحداث هذه المرة وسط المحيط. إذا كانت السيارة مسكونة، يمكنك أن تغادرها وتعود إلى منزلك أو تهرب في الحقل أو تختبئ وراء شجيرة. لكن إذا كان اليخت مسكوناً، لا وجود لأي مهرب. ستجد نفسك وسط محيط ممتد على مئات الأميال. لا مفر من الشعور بأننا عالقون مع الشخصيات في Mary، وتشمل أكثر اللحظات المخيفة لقطات لليخت المحاط بمحيط عملاق، ما يُسلّط الضوء على مفهوم العزلة التامة. يتمتع المخرج غوي بخبرة واسعة في التصوير السينمائي، لذا يصوّر مساحات اليخت الضيقة بأسلوب متقن. الأجواء خانقة لأقصى الدرجات!
قصة الفيلم جيدة، لكنها لا تتخذ أي مسارات إبداعية وغير متوقعة. سنكون أمام مركب مسكون ومياه هادرة في مثلث برمودا، وامرأة مغرية تنذر بالموت على متنه وتقضي على الركاب واحداً تلو الآخر. لكن لا يستفيد الفيلم من هذه العوامل كلها، بل يستعملها خدمةً للحبكة بكل بساطة. يتّضح الرفض الغريب لطرح أي فكرة مبتكرة حين يصبح "ديفيد" في البداية مهووساً بالمركب الذي يبدو خارقاً للطبيعة، فهو ينجذب إليه بطريقة غامضة. لكن مع تقدم مسار الرحلة، يتأثر الجميع بالمركب ويقعون تحت سحر العيون الجاحظة لقمة الصاري، لكنّ ديفيد يبقى محصّناً ضدها. هذا الخيار ليس قوياً بأي شكل! قد يسأل أساتذة التمثيل الطالب المتدرّب: حين تعمل على فهم أي مشهد وتضطر للاختيار، أي خيار يؤثر بك أكثر؟ إنه سؤال محوري لسرد القصص. يجب أن نفضّل الخيار الأقوى الذي يؤثر على مجرى القصة. لكن في فيلم Mary، اختار المعنيون أن يرغب "ديفيد" في تغيير حياته وأن يرمز المركب إلى هذه البداية الجديدة. لكن كان الخيار المثير للاهتمام (في مشهد شراء المركب) ليجعل "ديفيد" "ينجذب" إلى كائن خارق للطبيعة، على شكل حورية مثلاً، فيحلّ هذا "الانجذاب" مكان حبّه لعائلته. عند النظر إلى هذين الخيارَين، يتّضح أيهما له تأثير أكبر. لكن يتجاهل الفيلم ضعف "ديفيد" تجاه المرأة المغرية، فنشاهد بدل ذلك لقطات لامتناهية حيث يتجادل مع "سارة" حول زواجهما. ربما تدور أحداث Mary في عمق المحيط، لكنّ قصته تبقى على سطح المياه!