عقدت منظمة معاهدة الأمن الجماعي اجتماعها الدوري في موسكو في 16 أيار الحالي، بحضور الدول الممثلة في العضوية والتي تضم كلّاً من الاتحاد الروسي وأرمينيا وبيلاروسيا وكازاخستان وقيرغيزستان وطاجيكستان، بمناسبة الذكرى الثلاثين لانشائها في العام 1992.
وفي خطابه ذكر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أمام أعضاء الحلف عدّة نقاط من بينها: «معارضة محاولات تبييض النازيين»، «النشاط البيولوجي العسكري الأميركي في فضاء ما بعد الاتحاد السوفياتي»، «توسّع الناتو» و»اندفاع الخوف من روسيا في المجتمع الغربي».
وتحدّث بوتين عن إدخال وحدة القوات العسكرية التابعة لمنظمة معاهدة الأمن الجماعي لفترة محدودة إلى كازاخستان، والتي «منعت الاستيلاء على السلطة» فيها من قبل «المتطرّفين الذين كانوا أيضاً تحت السيطرة من الخارج، وساعدت على سرعة استقرار الوضع السياسي الداخلي في الجمهورية».
وعلى الرغم من التغني بهذه الحادثة التي حصلت في كازاخستان، لكن الشرخ توسّع مع أعضاء دول المنظمة التي لا تُشارك بوتين في غزوته لأوكرانيا عدا بيلاروسيا، التي باتت قابعة تحت القبضة البوتينية منذ تظاهرات المعارضة في آب العام 2020، بعد الاعتراض الواسع على نتائج الإنتخابات الرئاسية وإدخال قوات روسية لحماية النظام الذي لا يزال يُحاول الخروج من هذه القبضة. لم تعطِ المنظمة لبوتين فرصة لتغطية حملته ضدّ أوكرانيا لسببَيْن: الأوّل، لأنها لم تقتنع بالحملة التي شنّها الجيش الروسي على مناطق ومدن أوكرانيا وأدّت إلى تدمير الاقتصاد الأوكراني وتهجير المدنيين، ولم تستطع تحقيق الأهداف المعلنة. والثاني، الخوف الذي بات يُسيطر على رؤساء جمهوريات المنظمة الذين يتخوّفون من روسيا التي قد تُطالب هذه الدول بالتصحيح التاريخي لحدودها أيّام الأمبراطورية الروسية، ما دفع بشعوب هذه الجمهوريات للاعتراض على حكوماتهم وعدم الموافقة على الذهاب للقتال إلى جانب روسيا ضدّ أوكرانيا التي عاشوا معها طوال الحقبات السابقة.
لذلك تُحاول روسيا تعميم مواقفها على دول المنظمة لتبنّيه لتحضير الإمكانات المناسبة لضمان أمن الدول الأعضاء واستقرارها، انطلاقاً من أنه لا يوجد بديل لحل المشاكل الدولية القائمة بالوسائل السياسية والديبلوماسية، وتعطي الأولوية لتطوير مناهج منسقة للمشكلة لتحسين الوضع الدولي ومواجهة التحديات والتهديدات التي يتعين على الدول مواجهتها بحسب نص اتفاق «المنظمة»، الذي يُشير إلى ذلك والاستعداد لضمان «أمن وحدود المنظمة» بالوسائل العسكرية.
لكن المشاكل التي تواجهها المنظمة والتي تحدّث قادة الدول الست عنها بأنفسهم، كأفغانستان التي تقع على حدود المنطقة ومسؤولية دول المنظمة، وكذلك تأثير الحصار والعقوبات الاقتصادية المفروضة على روسيا، ما دفعها سريعاً إلى منع تصدير السلع الاستراتيجية حتّى إلى هذه الدول المرتبطة بروسيا، وأسواقها اقتصاديّاً وماليّاً، وهذا يفرض حاجة مشتركة للتخفيف من عواقب العقوبات ومنع تدهور الوضع الاجتماعي والاقتصادي في هذه الدول. كما تأمل روسيا من دول المنظمة في العمل كجبهة موحدة على الساحة الدولية، وخاصة ما يحدث في التصويت على المنصّات الدولية.
روسيا تترك لهذه الدول حرّية التفكير ضمن إطارها الخاص في كيفية الردّ سياسيّاً على موجة جديدة من توسّع الناتو، مع الأخذ الجدّي بنوايا البعض (فنلندا والسويد). ولقد شدّد بوتين على نمو «القومية والنازية» في الغرب، وليس فقط في أوكرانيا، حيث تمّ «هدم النصب التذكارية للأبطال السوفيات المُحرّرين»، و»يحظرون وضع الزهور ويحاولون إعادة كتابة التاريخ، ويمدحون القتلة والخونة ويهينون ضحايانا وتاريخ شعبنا الذي عانى وانتصر... خافوا من إعادة روسيا إلى الساحة الدولية، وتفعيل دورها السياسي».
كان بوتين يُشير إلى فشل حملته ضدّ كييف لمعاقبة النازية بسبب الغرب الذي يقف ويدعم النازية الجديدة فيها لمعاقبة روسيا. ولفت الرئيس الروسي في خطابه إلى أن «البنتاغون أنشأ عشرات المعامل والمراكز البيولوجية المتخصّصة ضدّ دولنا، لقد تمّ تأكيد هذه المعلومات خلال العملية الخاصة في أوكرانيا». يُمكن اعتبار النتيجة الأكثر أهمية للقمة بالنسبة إلى روسيا حاليّاً، بيان قادة الدول الست الذي حدّدوا فيه مستقبل منظمة معاهدة الأمن الجماعي، حيث استطاع التأثير عليهم بخطابه المتشعّب. لذلك تدفع روسيا هؤلاء الرؤساء للتفكير الجدّي في حال نجاح حملتها العسكرية في أوكرانيا أو تعثرها، لطرح فكرة تأسيس حلف جديد يشبه حلف «وارسو»، يفرض على الدول الست التقيّد العسكري والأمني ببنودها لإعادة عقارب الساعة إلى القطبية الثنائية أيام الحرب الباردة من أجل ضمان الأمن المشترك.