وليد شقير

لإدارة دولية بالكامل للأزمة

4 دقائق للقراءة

هل إن الفوضى التي يشهدها البلد تعني العودة إلى تلك النظرية القائلة إنه من الأفضل تركه ينهار لتجري بعدها إعادة لملمته وتركيبه، أم أن الدينامية التلقائية لتطور الأحداث، في غياب أي رؤية دولية واضحة لإدارة الأزمة فيه، تسهم في الانهيار نتيجة انصراف الدول الكبرى المعنية عنه وعن غيره من الأزمات لانغماسها في الحرب بين دول الغرب وروسيا في أوكرانيا؟

سواء صحّت هذه النظرية أم تلك، فإن النتيجة الكارثية التي يعيشها لبنان واحدة: لا ضوابط للسقوط الحر الذي نشهده من دون حدود على رغم إجراء الانتخابات النيابية، التي كان يراد لها أن تساهم في تنظيم أو وضع حواجز للتردي المعيشي وإطلاق إجراءات الألف ميل من خطوات تمهّد للتعافي الاقتصادي المديد.

فأي تعديل في المسار الانحداري يحتاج إلى قيادة سياسية ما زالت غائبة، في ظل كل هذا الضخ الإعلامي والسياسي عن الفراغ الحكومي المنتظر والفراغ الرئاسي المتوقع. بل إن السلطة مغيّبة بفعل فاعل هو السلطة القائمة. فكل ما فعلته الانتخابات، هو أنها أنتجت مشهداً سياسياً تتحكّم فيه حالة انعدام الوزن، بينما قوى السلطة الحاكمة ما زالت تمارس الإنكار الكامل لما أفرزته من تغييرات وما شهدته من تحوّلات في المزاج الشعبي العام، حتى في صفوف الجمهور الخاضع للاستنفار الطائفي والمذهبي، والذي تجذبه قوى السلطة من أجل المنافع وأوهام الحقوق الفئوية. وبعض أركان هذه السلطة ومن بينهم «حزب الله»، تائه بين المستجدات اللبنانية الداخلية وبين تطورات الوضع الإقليمي والدولي المتحرك الذي دخلت عليه قواعد جديدة بعد حرب أوكرانيا. إذ إن العقوبات التي صدرت أول من أمس عن وزارة الخزانة الأميركية، مستهدفة شبكة لبيع النفط الإيراني لمصلحة «قوة القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني، و»حزب الله» دمجت وللمرة الأولى بين إجراءاتها ضد روسيا وعقوباتها ضد إيران.

قبل الانتخابات اعتمدت الدول التي ترعى الأزمة اللبنانية في مقاربتها المراحل التي تليها القاعدة القائلة بمعالجة شؤون كل من المراحل حين يأتي وقتها. لكن هذه القاعدة لم تعد تفي بالغرض بعد التدهور المريع في الأوضاع المعيشية في ظل العجز الكامل للسلطة عن التصدي لها. والتفسيرات كلّها لهذا التدهور تشير إلى أن الاتفاق الذي صاغه رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي مع حاكم مصرف لبنان رياض سلامة بعيد نيل حكومته الثقة، على أن يساهم في تهدئة سوق القطع عبر منصة صيرفة حتى الانتخابات، قد انتهى مفعوله من دون تجديد مفاعيله ولو ليوم واحد.

ربما بات على الدول الراعية للأزمة اللبنانية أن تجري تعديلاً في مقاربتها مرحلة ما بعد الانتخابات، بحيث تتمكن من إجراء تعديل للمسار الانحداري، يختصر الطريق من دون انتظار المراحل التي ستبنى على كلّ منها كيفية التعاطي مع البلد، فهل يكفي صدور بيان عن مجلس الأمن يدعو إلى «تشكيل حكومة شاملة سريعاً»، من أجل إحداث اختراق للصورة القاتمة التي يغرق فيها البلد على أهمية الإجماع الدولي في هذه الظروف المعقدة بعد حرب أوكرانيا؟ وكيف يمكن ترجمة ذلك بخطوات ملموسة تحول دون الانهيار الذي قيل إن المجتمع الدولي سيمنع حدوثه؟

وإذا كانت الدول الراعية للأزمة اللبنانية تنتظر خطوات من القوى نفسها التي سبق أن اختبرتها حين أسقطت خريطة الطريق الفرنسية، بعد الاستحقاق الانتخابي، فقد ثبت أنه على رغم التغييرات التي أحدثتها هذه الانتخابات، فإنها لن تنعكس على السلوك السياسي للفرقاء الرئيسيين المعنيين بإعادة إنتاج السلطة. وليس من عادة القوى التي تتحكّم بمفاصل هذه السلطة أن تحترم الخيارات الديموقراطية، وتاريخها لا يوحي إلا بأنها قادرة على الالتفاف على ما ترغب فيه أكثرية الشعب، باسم الشعارات الكبرى التي لا تسمن من جوع ولا تأتي بالرغيف أو بالدواء. ولا ينفع وعد اللبنانيين باستخراج النفط والغاز بعد سنوات، بضغط قوة السلاح للرد على آخر مظاهر الكارثة، كما اقترح الأمين العام لـ»حزب الله» السيد حسن نصرالله.

إذا كان الموقف الدولي سيقتصر على ما نصح به نائب وزير الخارجية الأميركي السابق ديفيد هيل في مقاله في 20 أيار، عن أن «أفضل ما يمكن أن تقوم به واشنطن في ظل الظروف الراهنة الاستمرار في السياسة الأميركية الحالية بدعم بناء الجيش والقوى الأمنية كقوى استقرار، وربط الإعانات المالية المشروطة بالإصلاح»، فإن هذا لا يعني سوى إلقاء تبعات عدم الاستقرار الناجم عن الكارثة المعيشية المتمادية، على كاهل القوات المسلحة.

يعتقد بعض الخبراء الأجانب أنه ربما الأفضل أن تكون الإدارة المالية للبنان دولية بالكامل، بدلاً من وضع شروط على تقديم المساعدات له، لن تنفذ.