بشارة شربل

يوميات في مصنع الأورام

3 دقائق للقراءة

لم يحضر المناسبة الأليمة أكثر من دزينتين من الأشخاص. القرية غير النائية التي فرَّقت أهاليها صروف الحروب والأيام تعودت لمَّ الشمل في الأتراح وتحويلها فرصة لقاء واستعادة حرارة ذكريات قبل المؤاساة والواجبات. وإذ لم يتجاوز الفقيد العقد الرابع وليس مُسناً شبع من الحياة، باتت ندرة القادمين المقيمين في لبنان موضع استهجان. شقيقةٌ سارعت من أوروبا وشقيقٌ قدِم من الرياض للمشاركة في التشييع. أما حفنة الأقرباء الحميمين المتحلقين فجميعهم في الخليج يسترزقون.

ببرود المراقب المحايد بحثتُ عن الأسباب، فأتاني جواب متوقع: ما عاد المقيمون في لبنان يحتملون كلفة المواصلات. تذرعوا بأسباب شتى واكتفوا بمشاركات هاتفية أو عبر وسائل التواصل. تغيرت العادات بفعل ضيق ذات اليد وليس انسجاماً مع حداثة القرية الكونية ومتطلباتها. الآتون من الخارج يغادرون خلال ثلاثة أيام لينكفئ الوالدان المتقاعدان الى وحدة حزنهما الصامت وندرة الزيارات.

الكارثة التي تسبب بها الحكام، أهل المنظومة المجرمة، لم تكتفِ بتعميم العوز وتغيير عادات سادت منذ شكَّلت العائلة نواة الاجتماع، بل بدَّلت أيضاً أسلوب التعامل مع المرضى والمسنين. المرأة الخمسينية المصابة ببدايات سرطان صعب الشفاء حرمتها الدولة من حق الرعاية والعلاج. بعد استنفاد الوساطات والمحاولات، يسأل أهلها عن سعر الدواء لو تواجد في الأسواق، ثم يجتهدون في إقناع بعضهم بعضاً بأنه يطيل العذاب ولا يشفي من قدر محتوم، وبأن المنزل أرحب وأكثر ألفة من زحمة المستشفيات وطلبات الأطباء وتبرُّم الممرضات. ثم ينتهون الى "لا اعتراض على مشيئة الله".

مثلان من عشرات ومئات. ولدى كل منا روايات نافرة عن استسلام غير إنساني لواقع مرير لم تتسبب به كارثة طبيعية أو أحداث غير مفاجئة، بل صنعته أياد سود، أصحابها رؤساء ووزراء ونواب وقضاة وضباط ومصرفيون ورجال أعمال يملكون أسماء وعناوين، وأبناؤهم يجيدون "البزنس" ويقيمون الحفلات الباذخة داخل البلاد وخارجها وتؤدى لهم التحيات، بل يعاد انتخابهم مع أقرانهم من الفاسدين ليتابعوا الارتكابات ويتولوا مهمة الانقاذ من حفرة ثلاثين عاماً من الفساد وتبديد السيادة وجهنم عهد مشؤوم.

هذه ليست مناسبة للتشاؤم ولا للتحسر على شعب بات بين خياري شروط "صندوق النقد" أو الإعاشة عبر "صندوق الأغذية العالمي"، إنما لتنبيه النواب الجدد القادمين من الأوهام أو فذلكات مد الجسور والاعتدال، بأن زمن المسايرة عفّى عليه الزمن كوننا جربناها حتى صرنا في قعر بلا قرار، اندثرت معه كل ميزات لبنان وأهمها ميزة العلاقات الدافئة التي حمت آلاف العائلات منذ اندلعت النيران منتصف السبعينات.

أزمتنا ليست مستجدة تنتظر الاستكشاف ثم المفاضلة بين الاقتراحات. لا تغيير قانون الانتخاب سيحل المعضلة ولا استخراج الغاز سيوفي الديون أو يمنع الانقسام. ولا إلغاء الطائفية سيسير بنا نحو المواطنية ويطمئِن المكونات. دولتنا المركزية ملتهبةُ الأحشاء ومصنعٌ نشطٌ للأورام. من هنا تبدأ العلاجات الجدية والجراحات.