سناء الجاك

النقليات مؤمّنة

3 دقائق للقراءة

تنبعث رائحة صفقة قوية سامة وفتاكة، سواء للإطاحة بالثورة، أو للعودة إلى حكومة محاصصة بشروط تناسب الظروف المستجدة. توزيع الأدوار شغال، وكذلك نغمة إثارة الفتن الطائفية ووسائل القمع والتخويف والتخوين، التي لا يملك من يدير الطبقة السياسية أفعل منها للإطاحة بأي مطلب شعبي يمكن أن يؤمن حقوق المواطن اللبناني.

وعلى هذا الأساس، "النقليات مؤمنة" لمن يرضى برئاسة حكومة وفقاً لتشكيلة، شرط الانتساب إليها عدم التشويش على المعادلات القائمة التي تتيح مصادرة السيادة مقابل الاستمرار في حفلات المحاصصة والاستفادة من المال العام والنفوذ.

لذا يضع قائد الأوركسترا عربة السلطة قبل حصان الثورة، ولا يضيره قلب الآية تجنباً للروتين ووجع الرأس ومنعاً لهدر الوقت. يحشر الحلفاء والخصوم ويحدد المقاييس، وكأن ما يجري في الشارع تفصيلاً صغيراً، والوسائل لا تزال متوافرة لاحتوائه أو ردعه أو تدجينه، تماماً كما تم تدجين الطبقة السياسية لترضى ما يقرره الباب العائلي مقابل الاحتفاظ بالكراسي.

لكن الشارع الذي لا يحتاج "النقليات المؤمنة" لا يزال في المرصاد، يقرأ بوعي ما يحصل حوله، ويطوّر أداءه ليواجه الإلتفافات الغبية للسلطة، إن لجهة الخطاب منتهي الصلاحية والادعاء أن الثورة مؤامرة على العهد، أو لجهة تركيب الصورة لاستنهاض المريدين المحصورة وظيفتهم برفع المعنويات وتأمين المصفقين.

ويعلم أكثر فأكثر هذا الشارع أن "كلن يعني كلن" متواطئون على تنفيذ مشروع بقائهم على قيد السلطة. وكل منهم يقود معركته في اتجاه يعتقد أنه يؤمن له استنهاض شارعه ليمهد له طريق العودة، على أن يلتقوا جميعاً في نهاية الأمر عند نقطة محددة بعد تدوير زواياهم وحشر بعضهم البعض بما تتيح لهم مواصلة نهب الدولة وخيراتها مقابل بيع قرارها وسيادتها.

وليس صحيحاً أن هناك من يستغل الحراك و"سذاجة" المتظاهرين، كما يطيب للغيارى على السلطة أن يرددوا بعطف الذئب على الغنم. فما يحصل يدل على أن لا أحد فوق الغربال. وتحديداً بعد فشلهم في شيطنة هذا الحراك والعمل لسرقته وتبني مطالبه.

لذا، سقطت معزوفة الشكوى من الفساد، وتحديداً بعدما تبيَّن أن لا حصرية له، ولا دخول إلى جنة الحكم إلا عبر استثماره.

المتظاهرون السذج يعرفون أن على النائب أن يشرّع، وعلى الوزير أن يعمل موظفاً ليستحق راتبه، حينها يستقيم الوضع، ويحصل كل مواطن على فرصته من دون وساطات تكرس الزعامات. فالشغل موجود وهم يخفونه لتعزيز زعاماتهم.

لم يعد ينفع الخطاب الأبوي. الطبقة السياسية قتلت آباء اللبنانيين منذ أن حرمتهم تأمين مستقبل مستقر وآمن لأولادهم. منذ أن بات التمييز فاقعاً بين أبناء هذه السلطة وأبناء عامة الشعب من غير المحسوبين عليها.

وأخيراً، لم تعد تنفع "النقليات المؤمنة"، لشحن قطيع الهتافين والمصفقين، على رغم جهود من يجبر المتمردين على سلطة الآباء المنقرضين لتسجيل فعل ندامتهم، ليطمئن قلبه، ربما، الى أن جبروته لا يشكو من علة أو انتكاسة.