كان بسمارك يقول: "لا أحد يجب أن يرى كيف تُصنع المقانق والقوانين". لكن لبنان يضيف صنع التسويات التي هي الاسم الملطّف لصفقات المحاصصة العارية ولعبة الإنتخاب بالتعيين. وليس تقاسم المجلس الدستوري بين أمراء الطوائف سوى أعلى مراحل التفلت في صنع القوانين ضمن مسار الحرص على منع الإنتقال من دولة "لوياجيرغا" فاشلة الى دولة قانون وحق. فلا قول الرئيس سعد الحريري أن "هذه هي الديمقراطية" يحجب واقع التمثيل اللاديمقراطي، ولا تركيب مجلس دستوري على صورة الحكومة التي هي على صورة المجلس النيابي سوى تأكيد لمسخ المراقبة والمحاسبة.
وأكثر ما يعبّر عن الواقع هو الصورة التي رسمها الرئيس ميشال عون أخيراً: "الوضع في لبنان يشبه وضع التيتانيك التي كانت تغرق فيما ركّابها يرقصون في صالوناتها غير مدركين للخطر الى أن كانت الكارثة". لكن السؤال هو: من هم الراقصون في الحالين؟ الراقصون في صالونات التيتانيك هم ركاب الدرجة الأولى، وهم ليسوا مسؤولين عن الغش في بناء السفينة العملاقة، ولا يستطيعون فعل شيء لمنع الخطر الذي لم يدركوه. وفي النهاية كانوا من الضحايا.
والراقصون على حافة الهاوية في لبنان المهدد بالغرق ليسوا المعتكفين والمضربين والمعتصمين احتجاجًا على موازنة التقشف من جهة والحفاظ على الهدر من جهة أخرى. إنهم ركاب الدرجة الأولى أيضًا. بعضهم نسي مشقة قيام وطن – مغامرة في الشرق اختصره البابا يوحنا بولس الثاني بالقول: "أكثر من بلد، إنه رسالة". وبعضهم الآخر راهن على الرياح الإقليمية المتغيرة لتغيير وضعه في لبنان وتصور أنه قادر على "إدارة الرياح" فيما هو يدور معها. وهم جميعًا مسؤولون عن الانحدار الذي وصل اليه الواقع اللبناني، ويمكنهم إذا تخلوا عن الحروب الصغيرة على المال والسلطة، إنقاذه. ثم يرون الخطر ويحذرون من الكارثة لكنهم لن يكونوا ضحاياها لأن امكنتهم محفوظة حيث جنسياتهم الثانية وأموالهم. نحن الضحايا.
وليس أخطر من الأزمة المالية والإقتصادية والسياسية سوى ربط مصير لبنان بمصير جمهورية رجال الدين في إيران، ضمن صراع جيوسياسي إقليمي ودولي. ولا شيء يوحي أن هناك قدرة رسمية على فك الربط المرشح لأن يصبح أشد في حرب محدودة محتملة بين واشنطن وطهران. فالحديث الطاغي هو حديث البطولات وادعاء الأدوار البطولية. و"ليست محظوظة البلدان التي تحتاج الى أبطال"، كما قال برتولد بريشت.