عيسى مخلوف

نهر الرواية المتدفِّق

4 دقائق للقراءة

إنّها رحلة في الأدب الفرنسي والعالمي من خلال كتب اختارها نقّادها، وتنحصر في الأسماء المكرّسة وفي "الأدب الكبير"، بحسب ما أسمته الصحيفة. من تلك الكتب، "مئة عام من العزلة" لماركيز، و"زوربا" لكازاتنزاكيس، و"مذكّرات أدريان" ليورسونار، و"حزن وجمال" لكاواباتا، و"خفّة الكائن التي لا تُحتَمل" لكونديرا، و"إسم الوردة" لأومبرتو إيكو و"وعد الفجر" لرومان غاري و"أطفال منتصف الليل" لسلمان رشدي.
بعض الكتب يحيل على الأحداث الكبرى للقرن العشرين الذي يحمل على كتفيه حربين عالميتين وأسلحة نووية وإيديولوجيات شموليّة وأعمال عنف مدمّرة لحروب لا تنتهي، ويحمل البؤس بأشكاله المختلفة، بالإضافة إلى الاستعمار والاغتراب والمنفى، وهذا كلّه يلوح في أفق نتاجات عدّة منها بالأخصّ "أرخبيل الغولاغ" لسولجنيتسين، و"المضلّع النجميّ" لكاتب ياسين. وهذا الأخير هو الاسم العربي الوحيد الوارد ذكره في اللائحة، بالإضافة إلى اسم الكاتب الأرجنتيني من أصل سوري خوان خوسيه ساير.
في هذا السياق، جاء اختيار رواية "قصّة عن الحبّ والظلام" لعاموس عوز الذي يحكي "سيرته وسيرة شعب عانى من الاضطهاد والتشرّد"، غير أنّ الصحيفة توقّفت في موضوعيّتها عند هذا الحدّ ولم تلتفت إلى تجارب ذاتيّة أخرى تنعكس فيها التجربة الجماعيّة وتطالعنا في نتاج بعض الشعراء والروائيين العرب الذين نهلوا من المأساة الفلسطينية، ومنهم محمود درويش والياس خوري. وما يُسَوِّغ إدراج اسم درويش في لائحة مخصّصة للرواية حضورُ شعراء آخرين وردت أسماؤهم فيها، من أمثال جوليان غراك وفرناندو بيساوا.
صحيح أنّه من غير الممكن جمع نسبة أكبر من الروائيين في ملحق واحد، وصحيح أنّ نقّاد الصحيفة تصلهم يوميّاً كمّية كتب تتراوح بين الخمسين والمئة كتاب في مختلف المجالات والحقول (يُنشر في فرنسا سنوياً ما بين ستمئة وسبعمئة رواية)، لكن ثمّة أسماء لا يمكن إغفالها. وربّما من إيجابيات لائحة المئة رواية أنها تجعل القرّاء يفكّرون في أدباء لم تُذكر أسماؤهم، وهم من الذين تركوا بصمات واضحة في المشهد الأدبي في القرن العشرين، وكتبهم تتجاوز التصنيف المتداول، ومنهم، على سبيل المثال، ألبير كامو، جان جينيه، صمويل بيكيت وخورخي لويس بورخس. ولا ننسى أنّ بعض الكتّاب كانوا، هم أنفسهم، نقّادًا وأصحاب ثقافة موسوعيّة ومتخصّصين في النظرية الأدبيّة، وتنطبق عليهم مقولة أنّ كلّ كتاب يولد ثانيةً إثر كل قراءة جديدة له.
يأتي ملحق صحيفة "لوموند" في مرحلة يتعمّق فيها السؤال حول حضور الرواية في حياتنا الثقافيّة، وحول نوعيّة القراءة. لكن، ألا نشهد على تغيُّر معنى الكتابة والنقد مع هيمنة رأس المال والتقدّم العلمي والتكنولوجي ودَور وسائل الإعلام والتواصل؟ وفي أيّ اتّجاه تذهب القراءة في حين يتحوّل الكتاب، أكثر من أيّ وقت مضى، سلعة يتمّ الترويج لها كما لأيّ مادّة استهلاكيّة أخرى؟ يقول الكاتب الفرنسي باسكال كينيار، في كتابه "الظلال التائهة" الحائز على جائزة "غونكور" الأدبية، إنّ الكتاب الوحيد الذي يُقرأ في معرض الكتاب في فرنكفورت هو دفتر الشيكات. لكن هذا لا يمنع، وسط صخب المعارض والجوائز وطوفان الإصدارات، أن تفاجئنا، بين الحين والآخر، تحفة أدبيّة تؤكّد على أهمّيتها وتجد من يستقبلها بلهفة وشَغَف.
ضمن منطق المردوديّة المادية أيضاً، تولي بعض دور النشر اهتماماً متزايداً بالروايات المرتبطة بالأحداث الآنيّة والسّير الذاتية والقضايا العامة والحروب والنزاعات، أي بالأعمال الأدبيّة التي يكون وصول القارئ إليها سهلاً، كأنها جزء من يوميّاته، أو نشرة أخبار يتابعها على الشاشة الصغيرة. إنها رواية الإلهاء والتسلية التي تتوجّه إلى قطاعات واسعة من الناس، مقابل الرواية المثقفة التي لا تزال تعتني بالبنية الفنّية الجمالية وببلوغ العمق الإنساني. مع هذا الصنف الأخير من الروايات، تصبح "القراءة امتداداً للكتابة، ومهمّة أكثر ثقافة"، على حدّ تعبير بورخس. وهذه المهمّة هي التي تُبقي مصابيح النتاجات الأدبية الكبيرة مضاءة ومستعدّة للعبور من زمن إلى آخر.