جاد حداد

Stranger Things... متعة فائقة في الموسم الثالث

4 دقائق للقراءة

يبدأ الموسم الثالث من مسلسل Stranger Things (أشياء غريبة) وسط كمّ هائل من المخاوف والشكوك إزاء عملٍ بدا وكأنه يكرر نفسه في موسمه الثاني، لكن لا مفر من الإشادة بجوانبه الممتعة بعد إنهاء مشاهدة هذا الجزء. قد لا يضاهي الأخوان دافر الأجواء المفاجئة والمريبة التي طبعت الموسم الأول، لكنهما لا يحاولان تحقيق هذا الهدف أصلاً، بل ينتقلان هذه المرة من أجواء قصص ستيفن كينغ وستيفن سبيرلبرغ إلى عالم الحركة والتشويق، ويستوحيان الجوانب السردية والبصرية من أعمال جيمس كاميرون، وجون كاربنتر، وجورج روميرو، وروبرت زيميكيس وسواهم. يقدّم هذا الموسم إذاً محتوىً ترفيهياً ممتعاً ومتقناً لدرجة أن يستحق المسلسل المشاهدة في مناسبات متكررة.

تبدأ الأحداث هذه المرة في عيد الاستقلال الأميركي، في 4 تموز 1985. في بلدة "هوكينز"، إنديانا، يتكلم الجميع في هذه الفترة عن المركز التجاري الجديد "ستاركورت" الذي يبدو مزدحماً طوال الوقت، لكن يشعر رجال الأعمال المحليون بالاستياء منه لأنه يسرق منهم العملاء. في الوقت نفسه، يحصل أمر مريب آخر هناك، ما قد يدفع الشخصيات التي نعرفها ونحبّها إلى مواجهة مشاكل تفوق ما واجهته سابقاً، حتى أنها قد تتحمل عواقب غير متوقعة بأي شكل. باختصار، قد يكون هذا الموسم الأكثر متعة مقارنةً بالأجزاء الأخرى.

فيما يعمل "ستيف" (جو كيري) في قسم "سكوبز أهوي" في المركز التجاري، يتعامل الفتيان الآخرون مع مشاكل المراهقة التقليدية مثل الحب والصداقة. لا يزال "مايك" (فين وولفهارد) و"إيل" (ميلي بوبي براون) حبيبَين، لكنهما يجدان صعوبة في التواصل. في غضون ذلك، يشعر "ويل" (نواه شناب) بالاستياء لأنه أصبح دخيلاً بين الثنائيَين "مايك" و"إيل" من جهة، و"لوكاس" و"ماكس" (كاليب ماكلولين وسادي سينك) من جهة أخرى. هو يَحِنّ إلى الأيام التي كان الفتيان يتنكرون فيها بزيّ صائدي الأشباح. أما "داستن" (غاتين ماتارازو)، فهو يعود من المخيّم ومعه قصص كثيرة عن حبيبة جديدة لكنّ أحداً لا يصدّقه. يعمل "بيلي" من جهته كحارس شاطئ في حوض السباحة في "هوكينز"، حيث تحدّق به جميع أمهات الضواحي. ويعمل "جوناثان" (تشارلي هيتون) و"نانسي" (ناتاليا داير) في مكتب بريد بلدة "هوكينز" حيث تتعرّض "نانسي" للسخرية حين تطرح أفكارها أمام زملائها العنصريين.

لكن تضطرب حياة هؤلاء الشبان سريعاً بسبب الأعداء والوحوش طبعاً. في هذا الموسم، يبرع الأخوان دافر في تنفيذ أفكارهما بكل ذكاء وسلاسة. هما لا يهدران الوقت على أحداث فارغة بل يعالجان الحبكة بسرعة، وتدور معظم المشاهد المشوّقة خلال أكثر من يومَين بقليل. لا وجود لأي رحلات نحو "بيتسبرغ" على مر هذه الحلقات الثماني المليئة بالحركة، ومن اللافت أن يحافظ صانعو العمل على احتدام الأحداث طوال الموسم. أصبح تباطؤ الأحداث أو المبالغة في عرض التطورات المتلاحقة جزءاً اعتيادياً من أعمال شبكة "نتفلكس"، لكن يخلو هذا الموسم من هذه الشوائب. يسهل أن ينهي معظم المشاهدين الجزء كله خلال جلسة واحدة أو جلستَين كحد أقصى.

لم يسبق أن كانت وتيرة الأحداث محتدمة لهذه الدرجة في المسلسل، ويستفيد إيقاع العمل أيضاً من أداء الممثلين. كانت الممثلة ميلي بوبي براون قد خطفت الأنظار في أول موسمَين، لكن يسلّط الأخوان دافر الضوء على شخصيات كثيرة أخرى في هذا الجزء، بما في ذلك الأداء المميز من ديفيد هاربور، وغاتين ماتارازو، وداكري مونتغومري، وجو كيري، والممثلة الصاعدة الجذابة مايا هوك. يبدو العمل جماعياً ومتماسكاً أكثر من أي وقت مضى، ويقوم الأخوان دافر بفصل هذه الشخصيات قبل لمّ شملها مجدداً بطريقة لامعة جداً. كذلك، تسود أجواء مشوّقة ومؤثرة لأقصى حد في بعض اللقاءات الحتمية في الحلقات الأخيرة من الموسم.

أخيراً، تتّسم المشاهد في هذا الجزء بشكلٍ من السحر الذكي والمُعْدي. من الواضح أن الأخوَين دافر يجيدان استعمال مختلف عوامل القصة، لا سيما المركز التجاري المبهرج في فترة الثمانينات، ومعرض عيد الاستقلال في الغرب الأوسط، والمجمع العسكري، وحوض السباحة المزدحم. تبدو جميع عناصر القصة حيوية وصاخبة بدرجة مضاعفة هذه المرة. نادراً ما تكون الأجزاء الثلاثة من المسلسلات التي تدور أحداثها في الثمانينات متقنة، لكن لا ينسخ صانعو العمل ذلك الجانب الشائب من الأعمال المشابهة، بل إنهم يرفعون مسلسلاً جيداً أصلاً إلى مستوى ممتاز.