ريتا ابراهيم فريد

Guillain Barre Survivor... معاناة تتحوّل إلى مبادرة للتوعية

6 حزيران 2022

02 : 00

الحملة التضامنية الافتراضية لاقت مشاركة واسعة

لأنّ النفوس الطيّبة لا تفرغ من الأمل، مهما اشتدّت أوجاع الإنسان وتفاقمت، وحتى لو بات الوقت رهينةً للمجهول، يبقى الإيمان الصادق الذي يشقّ طريقه بين العتمة يواجه القدر بنظرات التحدّي، ويصرخ بثقة: لا مكان لليأس.

"لم أكن أتخيّل أنّ الأمور ستكون على ما يرام بهذه السرعة"، تقول تيريز بدر، التي واجهت تجربة قاسية إثر إصابة زوجها إتيان بحالة مرضية صعبة ونادرة. وتتابع: "في تلك الفترة، وتحديداً حين كان زوجي لا يزال في غرفة العناية الفائقة، حتى الأطباء كانوا عاجزين عن تحديد حجم الضرر الذي سينتج. كنّا بس عم نصلّي إنّه المهم يضلّ معنا".

واليوم، بعد مرور خمسة أشهر على هذه التجربة، تواصلت "نداء الوطن" مع إتيان رفّول وزوجته تيريز، اللذين تحدّثا عن هذا الدرب الشاقّ الذي أرغما على السير به، وكيف كان العبور ممكناً، بإيمان كبير، وحب أكبر، وثقة عالية بالعناية الإلهية. والأهمّ، كيف تحوّلت هذه المعاناة الى مبادرة لافتة للتوعية حول هذا المرض.



لم نكن نتوقع صعوبة ما ينتظرنا

ليلة 31 كانون الأول 2021 كانت بداية لمرحلة مفصلية في منزل آل رفول. تغيّر كلّ شيء فجأةً. وانتقلت هذه الأسرة الصغيرة مرغمةً نحو معاناة استمرّت لأشهر عدّة.

بدأ الأمر صباح اليوم الذي سبق ليلة رأس السنة. استيقظ إتيان رفول من النوم وشعر بتنميل في يديه وقدميه. تجاهل الأمر في البداية، وتوجّه الى عمله كالمعتاد. ثمّ بدأت حالته تتدهور، حتى أصبح عاجزاً عن إمساك أيّ غرض بيديه. ورغم ذلك، حاول أن يخفي الأمر عن زوجته كي لا تشعر بالقلق. خلال الليل تسلّل الشلل الى جسمه شيئاً فشيئاً. ظنّ أنّ ما يحصل مجرّد تشنّجات، ولم يخطر في باله أبداً أن يكون الأمر خطيراً لهذه الدرجة.

عند الرابعة فجراً، نهض كي يشرب الماء، فسقط أرضاً عاجزاً عن القيام بأيّ حركة. وبعد نقله الى المستشفى وإجراء التحاليل اللازمة، تبيّن أنه يعاني من مرض "Guillain barre"، وهو حالة مرضية نادرة تبدأ بتنميل في الأطراف، وتتحوّل الى شلل، وقد تتفاقم أحياناً لتشكّل خطراً على الحياة.

"لم نكن نعرف أيّ شيء عن هذا المرض"، تؤكّد زوجته تيريز، وتضيف: "كما أنّنا لم ندرك في البداية حجم الصدمة. كنتُ أعلم أننا سنمضي ليلة رأس السنة في المستشفى، لكنني كنتُ حينها أخطّط لإحضار ما يناسب السهرة من أكل وشراب. لم نكن نتوقّع صعوبة ما ينتظرنا، وأنّ زوجي سينتقل في الليلة ذاتها الى غرفة العناية الفائقة، وأنّه لن يخرج من المستشفى قبل شهر".

هناك دوماً رسالة ما

كيف يمكن للإنسان أن يبقى متماسكاً حين يرتطم بصدمة من هذا النوع، من دون أي سابق إنذار؟ تشدّد تيريز على أنّ العناية الالهية هي التي مدّتها بالقوة. "فأنا بمفردي كنتُ عاجزة عن القيام بأي شيء. ما بعتقد في أيّ إنسان ممكن يتحمّل هيك صدمة لحاله، ربنا هوي اللي بيقوي". وتشير هُنا الى قوّة غريبة شعرت بها في داخلها، ساعدتها كي تتخطّى ما يحصل مهما كان صعباً وقاسياً. وأيقنت أهمية أن تكون متماسكة وقوية، فكل شيء حولها كان منهاراً.

وتتابع: "كنتُ أنا مصدر القوة للآخرين. إيماننا المسيحي يعلّمنا أن نحمل صليبنا بتسليم كلّي لمشيئته. وهناك دوماً رسالة ما خلف كل ما يحصل. لا أخفي أنني كنتُ من حين لآخر أشعر أنّ هذه التجربة قاسية جداً عليّ، لكنّي في المقابل كنتُ وما زلتُ أكيدة أنّ الرب يعلم تماماً مدى قدرتنا على التحمّل، ولا يحمّلنا فوق طاقتنا".

مبادرة لنشر التوعية

المعلومات في لبنان حول مرض الـ"Guillain Barre" ضئيلة الى حدّ ما. فهو حالة طبية نادرة، وكثيرون لم يسمعوا عنه. وحين حاولت تيريز أن تقوم بأبحاث حوله أملاً بالحصول على أجوبة شافية لتساؤلاتها، أيقنت ضرورة إطلاق مبادرة تهدف من جهة الى نشر التوعية حول هذا المرض، ومن جهة أخرى بهدف خلق مساحة للتواصل بين الأشخاص الذين أصيبوا به. فأنشأت صفحة خاصة عبر مواقع التواصل الاجتماعي حملت اسم "Guillain Barre Survivor"، حيث تنشر عبرها معلومات عن هذه الحالة الماضية وعن طرق معالجتها، وعن ضرورة عدم الاستهتار بها ومتابعتها منذ البداية، وأهمية المثابرة حتى لو استغرق العلاج فترة طويلة. تيريز التي لاقت مبادرتها تجاوباً كبيراً، توضح: "تواصل معي عدد كبير من الذين أصيبوا سابقاً بهذا المرض وتعافوا منه. أخبروني عن تجاربهم، وذلك ساعدني قليلاً كي أطمئنّ. إضافة الى أنّ معاناتهم تشبه معاناتي، وبالتالي يمكنهم أن يفهموا ما أشعر به".

كما خصّصت تيريز يوماً دعت فيه الأصدقاء والمحبين الى التضامن مع زوجها ومع كل مصاب بهذا المرض، من خلال نشر صورة وهم يرتدون اللون الأزرق، وهو اللون العالمي للتضامن مع المصابين. وهُنا أيضاً كانت المشاركة واسعة، وترافقت مع عدد كبير من الذين رفعوا الصلوات على نية شفائه. هذا وتستكمل تيريز مبادرتها بالتحضير لإطلاق موقع إلكتروني مختصّ، سيهدف بدوره الى نشر التوعية عبر مشاركة الآخرين بشهاداتهم وتجاربهم، إضافة الى جمع التبرّعات ممن يرغب، لا سيّما أنّ كلفة العلاج مرتفعة جداً. فهي لا تقتصر على الفترة التي يمضيها المريض في المستشفى، بل تنتقل معه بعد عودته الى المنزل، حيث عليه أن يتابع علاجه لبضعة أشهر. من هنا أتت فكرة محاولة جمع التبرعات للمصابين بهذه الحالات النادرة.



إتيان مع زوجته وابنتيه





لم يكن أمامي سوى التمسّك بالأمل

من جهته، يؤكّد إتيان على أنّه كان يستمدّ صموده من التفكير بعائلته، وخصوصاً بزوجته وابنتيه الصغيرتين، الأولى البالغة اربعة أعوام، والثانية التي كانت قد ولدت قبل شهرين. إتيان الذي أمضى فترة لا بأس بها في المستشفى عاجزاً عن القيام بأي حركة، يقول: "كنتُ أمضي وقتي بالتفكير والصلاة كي أتعافى. ولم يكن لدي سوى الأمل كي أتمسّك به. وكنتُ يومياً أنتظر قدوم زوجتي لزيارتي. كان نهاري يتوقّف عند الساعة الحادية عشرة، أي موعد الزيارات، كي أقابلها وأستمع الى أحاديثها، إذ لم يكن باستطاعتي أن أتكلّم. ولولا وجودها الى جانبي، لما نجحتُ بتجاوز الأزمة بهذه السرعة".

لا بدّ من الإشارة الى أنّ عدداً كبيراً من المعارف والأصدقاء رفعوا صلواتهم على نيّة شفاء إتيان، حتى الذين لا يعرفونه. يكفي أنّهم استمعوا من خلال مواقع التواصل الاجتماعي الى هذه القصة المأسوية كي يتشاركوا بالصلاة والدعاء له. ويقول في هذا الإطار: "حين لمستُ محبّة الناس لي ووقوفهم الى جانبي، تشجّعتُ أكثر، وقاومتُ أكثر للعودة الى حياتي الطبيعية ولقاء أصدقائي وعائلتي. هذا التضامن الذي لاقيته شكّل حافزاً قوياً لي، بالإضافة الى دعم وتشجيع عائلتي".

هي تجربة صعبة جداً، لكنّها في المقابل تركت آثاراً إيجابية في نفس إتيان وفي نظرته الى الحياة بشكل عام: "ما بقى كبّر الأمور يلي ما بتستاهل. لأن الحزن هو الذي يؤثّر سلباً على الصحّة". هذا وتوجّه إتيان برسالة الى كلّ مريض يشعر أنه على وشك الاستسلام قائلاً: "تمسّك بأيّ بصيص أمل، ولا تتوقف على الصلاة. لأنّ تدخّل العناية الالهية هو أساس الشفاء. عليك أن تثق بالربّ، وبأنه سيساعدك على تخطّي هذه المرحلة".


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.