إيفون أنور صعيبي
لمَن لم تتسنّ له مشاهدة House of Cards فإن قصة المسلسل تصوّر الحياة السياسية وراء الكواليس في واشنطن العاصمة الاميركية وفي البيت الأبيض نفسه، وكيف ان زعيم الأغلبية في مجلس النواب يصل إلى قمة هرم السلطة في النظام الأميركي ويتولى منصب الرئيس بعد مغامرات مكيافيلية.
تقدم القصة حقيقة تقاسم السلطات في المنظومة السياسية، حيث ان الرئيس نفسه عاجز عن امتلاك كل الأوراق لاتخاذ القرارات الحاسمة، فهو بحاجة دوماً الى إرضاء نطاق واسع من مراكز القوى حتى للحفاظ على موقعه وذلك من خلال تغيير تحالفاته واختلاق السيناريوهات وفق ما يؤمّن مصلحته. لا يكتفي المخرج بتقديم متعطشي السلطة على حقيقتهم فحسب، بل يقدم لنا أيضاً الشركات الكبرى ومجموعات الضغط المختلفة واللوبيات بوصفها جزءاً لا يتجزأ من التركيبة السياسية المعقدة.
لا تختلف اللعبة السياسية اللبنانية كثيرا عن المسلسل الأميركي، وان اردنا تفنيد اتفاق صيف باريس 2016 الذي حدد ملامح سياسة البلاد- وان لفترة وجيزة- لوجدنا ان الشيطان الكامن في تفاصيل العلاقة بين الحريري وباسيل أقوى من أي عنوان وطني.
يشوب العلاقة التي جمعت كلّاً من رئيس تيار المستقبل سعد الحريري والتيار الوطني الحر جبران باسيل منذ صيف 2016 الكثير من التساؤلات على اعتبار انها تتسم بـ"المصالح المشتركة". بدأ الحريري اتفاقه مع حزب الله في حزيران 2016 على أساس انه موافق على صيغة انتخاب العماد ميشال عون رئيسا للجمهورية. طرح حزب الله الاسئلة التي كانت تخالجه فجاء الحريري بالأجوبة اللازمة بعد شهرين، وعلى هذا الاساس كُلّف باسيل بإكمال المفاوضات واختيار "الإخراج" المناسب من جانبه. أراد الحريري من اتفاقه مع باسيل - حليف حزب الله - استعادة موقعه السياسي ومن خلاله تيسير مصالحه. أما باسيل فكان ولا يزال يريد من الحريري "كل شيء": المال والنفوذ و"الإنجازات الاقتصادية" ومن خلالها.. رئاسة الجمهورية. لكن ماذا سيتحقق من كل هذا؟ والأهم، هل هذا الاتفاق وحده كفيل بتحقيق أمنيات الطرفين؟
حتى اليوم، لم تُنفّذ غالبية الاتفاقات المالية التي تم التوافق عليها والتي بدأت في اجتماع صيف 2016 الباريسي ولكنها لا تزال سارية المفعول علماً أنها لم تعط باسيل ما توخّاه منها.
هذه الاتفاقات كانت أساساً للاتفاق السياسي الذي أدى لاحقا الى عودة سعد الحريري الى رئاسة الحكومة الأولى في العهد الحالي وقد أعيد انتاج هذه الاتفاقات نفسها قبيل تشكيل الحكومة الثانية، وكذلك في باريس ولكن هذه المرة بحضور و"ضمانة" رجل الاعمال علاء الخواجة الذي ظهر فجأة - مقابل حصة له من المشاريع المشتركة - والتي توخّى الحريري (ومن هم خلفه) من خلال وجود الخواجة طمأنة باسيل الى ان هذه الاتفاقات ستنفّذ.
تناولت الاتفاقات المشاريع التالية:
- معامل إنتاج الكهرباء بشقّيها البرّي والعائم.
- عقود استخراج الغاز والنفط براً وبحراً.
- عقود الانشاء والتجهيز في قطاع الاتصالات بما يتضمن شركة الخليوي الثالثة المزمعة.
- عقود إدارة إنشاء مرافئ جديدة وتجهيز مرفأ طرابلس وإدارة مرفأ بيروت وإنشاء وتجهيز مرافئ متخصصة مع المصافي والتغويز والإسالة واستثمارها على المدى الطويل.
- انشاء منطقة اقتصادية حرة في البترون مشتركة بين الطرفين وان كان باسيل قد اشترط التفرّد بالإدارة كونها في عقر داره من دون التفرد في الأرباح.
كل هذه الصفقات الموضوعة مسبقاً لم تتبلور حتى الساعة ولعل أبرز ما نُفّذ منها كان توقيع عقد جديد حول معمل دير عمار أما المنشآت الملحقة فيبدو انها لن تبصر النور "قريبا" لأسباب عدة أقلها الخلاف المتصاعد بين الحريري وباسيل وأكثرها الخلاف على تقاسم الغنائم...
هذا الاختلاف في المحاصصات المالية أثّر على الشق الثاني والأهم من الاتفاق بالنسبة الى باسيل والمتمثل بالنفوذ السياسي الذي يجعل منه رئيسا للجمهورية، وهنا بيت القصيد، فباسيل قد أصبح "مليئا"وهذا ما تتناقله أجواء المقربين من رئيس الحكومة سعد الحريري، لكنه لا يزال بحاجة الى المزيد من المال لكي يزيد من نفوذه السياسي خصوصا كلما اقتربنا من نهاية العهد الحالي.
يرى باسيل ان مستوى هيمنته على الدولة كما هو الآن يتناقص تدريجياً، رغم التركيبة التي أنتجت الرئيس القوي وذلك لسببين؛ أولهما تراجع الحريري التدريجي عن دعمه ليس فقط بتنفيذ الصفقات بل أيضا في السياسة البحتة تحت ضغط الشارع السني وخصوصا منافسيه على الرئاسة الثانية كنهاد المشنوق ونجيب ميقاتي وفيصل كرامي وصولا الى المفتي دريان الذي يشعر ان باسيل يأكل من الصحن السني.اما السر "المستغلق" فيبقى في السبب الكامن وراء عدم رغبة الحريري في تلبية رغبات باسيل في المشاريع التي تم الاتفاق عليها في الشقين المالي والسياسي، حتى الساعة والذي يعود الى الضغط السعودي: فالسعودية من جهة لا تثق بباسيل الذي تارة يخطب ودّها وطوراً ينقلب عليها، ومن جهة أخرى ترى المملكة ان عليها الحفاظ على دورها في لبنان لا سيما في وجه تصاعد نفوذ غريمها الإقليمي إيران.
يُحاجج السعوديون خلف الأبواب المغلقة ان مسايرة الحريري - ولو كانت منقوصة - لباسيل سوف تؤدي حتماّ الى زيادة نفوذه السياسي وان ذلك سيصبّ بلا أدنى شك في مصلحة ايران.
لكن سبب انعدام "ثقة" السعودية بباسيل لا يعود لقربه من حزب الله فقط، بل والأهم لاعتباره بارعاً في تغيير تحالفاته. من هنا فإن موقف السعودية هذا ينطلق من قناعة راسخة ان لا مناص لباسيل الا العودة الى أحضان ايران التي استقرّ فيها منذ العام 2005 ولغاية 2016...