تحوّلت أسلحة الناتو الهجومية لتجعل من أوكرانيا نقطة صعبة في المعادلة، وتأمل من خلالها تحقيق النصر على روسيا، لأنّ كييف، على الرغم من التدمير الكبير للإمكانات العسكرية للبلاد، لا تزال تقاوم بعناد. وحداتهم تهاجم بنشاط دونباس في عدد من الأماكن الرئيسية، لا سيّما في اتجاهات نيكولاييف - كريفوي روغ - سيفيرودونيتسك - سلافيانسك - ليمان، وتقوم وحداتها المسلّحة (أوكرانيا) بشنّ هجمات مضادة وتحقيق نجاحات تكتيكية.
والروس باتوا بكلّ معنى الكلمة يتخوّفون من تحقيق نصر ضدّهم على أيدي الأوكران بسبب النشاط والحيوية والمعنوية العالية للجيش الأوكراني بكسر المعنوية الروسية، والخسائر الكبيرة التي تتكبّدها موسكو، ما جعلها تنظر بعين الحذر من تمكّن الأوكران من الحصول على السلاح الهجومي الحديث وتغيير المعادلة، الأمر الذي دفع الروس بنشر دعاية سياسية موجهة ضدّهم تحسّباً لهذه الخطوة المجهولة من أجل إرباك الغرب.
يُشير معهد دراسات الحروب "conflict intelligence team" إلى أن معارك سيفيرودونيتسك أنهكت الجيش الروسي ولم يعد عنده القدرة على متابعة الهجوم خارج مناطق دونيتسك، بالرغم من المحاولات الروسية المستمرّة للسيطرة، لكن الأوكران لا يزالون قادرين على استعادة المبادرة بهجوم معاكس. فالمشكلة تكمن بأن الروس لا يستطيعون تحمّل التقدّم البطيء في الشرق وسط خسائر كبيرة. وبات من الصعب عليهم الوصول إلى خاركوف أو كييف بسبب تعثرهم في دونباس.
لذلك، تختلف المواقف الغربية من دعم أوكرانيا بأسلحة متطورة، فهذا التردّد الغربي يُشير إلى أن "القارة العجوز" تتخوّف من فقدان القرار لصالح أوكرانيا لاحقاً، وسيكون الدور المؤثر لها في القرار الغربي السياسي والعسكري في حال الإنتصار، بالرغم من التوافق الغربي بأنه ممنوع هزيمة أوكرانيا. فالنصر سيكون لصالح تشكيل تحالف غربي جديد (بريطانيا وأوكرانيا وبولندا ودول البلطيق الثلاثة، وربّما تركيا).
أمّا الموقف الأميركي، فيختلف كلّياً بحيث يكمن في استنزاف موسكو وإطالة عمر الحرب عبر إضعاف روسيا واحتواء الاتحاد الأوروبي، لتشكيل تهديد فعلي للصين، عدو واشنطن. وعلى المقلب الآخر، تتخوّف روسيا من هذا الإمداد، ما يعني أن الاستنزاف حتمي وموسكو الخاسر الأكبر بالرغم من أنها تقدّم نفسها المنتصر بكلّ الأشكال، ولن تقبل بخسارتها من قبل أوكرانيا. وهذا ما دفع بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى التهديد والتشديد على أن الغرب يهدف إلى إطالة المعارك من خلال توريد السلاح إلى أوكرانيا.
وتحدّث بوتين عن أن السلاح المرسل لا يُغيّر شيئاً بسير الوضع الميداني بالنسبة إلى روسيا، لأنها تملك سلاحاً متطوّراً جدّاً لا يزال يُسجّل انتصارات للجيش الروسي... والولايات المتحدة ستفاجأ لاحقاً بتدمير هذا السلاح المرسل إلى أوكرانيا، كون هذه الخطوات عدائية ضدّ روسيا، ما سيدفعها إلى أخذ خطوات سريعة لحماية أمنها وحدودها وستعمل على تحطيم السلاح الجديد. مقابلة الرئيس الروسي تحمل في مضمونها 3 عناوين للتفاوض مع الولايات المتحدة وهي:
- الرســـالة الأولى عسكرية وتبدأ بقدرات الجيش الروسي المستعدّ لتدمير كلّ الصواريخ والعتاد المرسل إلى أوكرانيا كتهديد مباشر لكييف بأن صواريخه ستصل إلى أماكن لم تكن تضرب سابقاً في حال أُرسل السلاح المتطوّر.
- الرسالة الثانية توجّهت بها روسيا عبر الأمم المتحدة إلى البيت الأبيض بأنها جاهزة للتفاوض من خلال تمرير السفن المحاصرة في البحر الأسود من الحبوب والأسمدة، حيث باتت سلة الغذاء العالمي إلى جانب الطاقة تحت رحمتها، وبالتالي ينتظر الردّ على المبادرة من واشنطن بنفس الايجابية، لأنّ إمدادات الغذاء العالمي يجب ألّا تُشكّل جزءاً من العقوبات على روسيا، وخاصة أن العقوبات على موسكو فاقمت أزمة الغذاء لديها.
- الرسالة الثالثة تكمن في محاولة روسيا اقحام بولندا في الحرب الحالية وكأنها تخاطب بذلك الولايات المتحدة التي يمكن بيدها حلّ الأمور، كون موسكو تطرح حلّاً للأزمة الأوكرانية من أجل الدخول بالمفاوضات على أساس تقسيم أوكرانيا، كما حال الكوريّتَيْن، لكن وضع أوكرانيا يختلف حتّى الآن وروسيا تقضم وتنتصر بطعم الهزيمة عالية الثمن.
وعلى الرغم من أن الجيش الروسي يُحرز تقدّماً في دونباس، ولكن ببطء وبفاتورة غالية جدّاً، تبقى الحاجة الروسية إلى مفاوضات حول هدنة مقبولة لأوكرانيا، كما "النسخة الكورية"، أي تقسيم البلاد إلى جزأَيْن. ويعتقد أن الرئيس الأميركي جو بايدن، بحسب طموح موسكو، يُمكنه أن يفعل مع أوكرانيا كما فعلت بلاده مع كوريا، حيث بدا وقف إطلاق النار العام 1953 بمثابة هزيمة للولايات المتحدة، لكن كوريا الجنوبية اليوم هي واحدة من جواهر العالم الاقتصادية. وقد يكون هذا هو احتمال ظهور أوكرانيا ما بعد الحرب.