سامي نادر

خطورة الانزلاق على الصناديق السيادية

8 حزيران 2022

02 : 00

يتم التداول كثيراً في الفترة الأخيرة في إنشاء صناديق سيادية أو استعمال أصول الدولة أو الثروة الوطنية من أجل التعويض عن خسارة المودعين في المصارف اللبنانية. لا أحد يشك للحظة أن ما ارتكب في حق المودعين هو من أفظع الجرائم المالية عبر العصور. لا فرق بين مودع كبير أو مودع صغير من حيث القانون والحقوق والواجبات. فحجز الوديعة يشكل تعدّياً صارخاً على القانون أياً كان حجمها، أكانت دولاراً واحداً أم ملايين الدولارات.

وهنا لا بد من التذكير بأن مشكلة المودعين هي من حيث القانون قضية عالقة بينهم وبين المصارف التي أودعوها أموالهم ومدّخراتهم. ليس لأي طرف ثالث مسؤولية قانونية فيها. أما مشكلة المصارف فهي، من جهة بينهم وبين مصرف لبنان حيث وظفوا معظم سيولتهم، ومن جهة أخرى بينهم وبين الدولة التي أقرضوها. وبالتالي ليس للمودع أي مسؤولية وأي دور في هذا الإقراض أو هذه التوظيفات. لذلك قول بعض المصرفيين فلتدفع الدولة مستحقاتها للمصارف فتحل الأمور، وابتكار «الحلول» لهذا الغرض، يشكل بأقل تعبير قفزاً فوق الأدوار والمسؤوليات... هذا لا ينفي مطلقاً المسؤولية الأولى للسلطة السياسية وللحكومات المتعاقبة التي جسّدتها بهدر المال العام والإمعان بالفساد.

أما أصول الدولة من عقارات ومرافق ونفط وغاز، فهي أملاك عامة، ومن هذا الباب تعود ملكيتها لجميع اللبنانيين من دون استثناء وليس لفئة معينة منهم مهما كانت مغبونة. كما لا يجب إغفال هذا المبدأ عند النظر في كيفية التعويض على المودعين. في هذا الإطار لا بدّ من التذكير بأمر بديهي وهو أن ليس كل اللبنانيين من أصحاب الودائع المحجوزة في المصارف، وأن قسماً كبيراً منهم لا يملك حساباً مصرفياً.

لذلك حينما يقترح البعض بيع أو استثمار أصول الدولة أو تخصيص قسم من عائدات الغاز للتعويض على المودعين ، ففي الأمر غبن بحق من ليس لديه وديعة أو حساب مصرفي. كما ويشكل تمييزاً لصالح كبار المودعين حيث إنهم يحصلون على حصة أكبر من هذه الثروة الوطنية وذلك نسبة لحجم ودائعهم المحجوزة والمزمع تعويضها.

نعود ونكرّر، ما حدث بحق المودعين جريمة موصوفة، ويجب أن تستنفد كل الوسائل لإنصافهم. ولأنها أولاً مسألة حق وعدالة يجب أن تتم بطريقة عادلة، وليس على حساب حقوق آخرين. خاصة أن هناك طرقاً أفضل من تلك التي يتم تداولها والتي تقضي ببيع أصول الدولة أو إنشاء صناديق سيادية لهذا الغرض تحديداً.

نعم استعمال أصول الدولة وثرواتها الطبيعية للخروج من الأزمة أكثر من ضروري. ولكن يجب أن يتم ذلك بهدف تفعيل الإقتصاد أولاً ونتيجة ذلك، تتمكن الدولة من إيفاء ديونها وبالتالي تؤمن السيولة للمصارف لكي تتمكن من تحرير ودائع زبائنها. تفعيل الإقتصاد يعود بالنفع على الجميع بمن فيهم الدولة وكافة شركاء الإنتاج.

أما آلية استعمال أصول الدولة فيجب أن تتم وفق معايير الحوكمة الإقتصادية الرشيدة ومبادئ الإنتاجية، وعلى رأسها ضرورة إرساء المنافسة وتفعيل إشراك القطاع الخاص في كافة القطاعات. أخطر ما في مقترحات الصناديق «السيادية» أن توكل إدارتها للقطاع العام، وتحديداً لسلطة نظام المحاصصة وكارتيلاتها. فتنتهي الثروات السيادية في مزاريب الهدر وجيوب الفاسدين. وفي ذلك عود على بدء.