من النصائح التي تلقاها الجانب اللبناني أثناء المحادثات التي أجراها كل من وزير الخارجية عبدالله بو حبيب، والمدير العام للأمن العام اللواء عباس ابراهيم خلال زيارة كل منهما إلى واشنطن حيث أثارا مسألة ترسيم الحدود البحرية، أن ألِّفوا حكومة، بعد حصول الانتخابات النيابية، وأسرعوا في تشكيل السلطة التي عليها اتخاذ القرارات اللازمة من أجل وضع البلد على سكة التعافي. والنصيحة جاءت بعد أن شدد الجانب اللبناني على أن من عوامل النجاح لاستئناف آيموس هوكشتاين وساطته أن موقف الرؤساء الثلاثة موحد حيال اعتماد الخط 23 للترسيم.
من نافل القول إن النصيحة الأميركية شملت الدعوة إلى توحيد الموقف اللبناني في الرد على العرض الذي قدمه هوكشتاين. والافتراض المنطقي أن من ألف باء التعاطي مع لبنان عند الدبلوماسيين الأميركيين استعجال الإصلاحات كي يتلقى الدعم اللازم. وهم يدركون أن «انهيار لبنان لن يكون في مصلحتنا ولا في مصلحة المنطقة»، آملاً بـ»عودة المفاوضات بين إسرائيل ولبنان لمنع أي تصعيد»، كما قال هوكشتاين قبل أربعة أيام.
فالدول المعنية لا بد من أن تكون قد اطلعت على الآليات القانونية اللبنانية التي تنظم التفاوض حول الحدود، وأن المادة 52 من الدستور التي تتناول هذا التفاوض تنص على أن «يتولى رئيس الجمهورية المفاوضة في عقد المعاهدات الدولية وإبرامها بالاتفاق مع رئيس الحكومة. ولا تصبح مبرمة إلا بعد موافقة مجلس الوزراء. وتطلع الحكومة مجلس النواب عليها حينما تمكنها من ذلك مصلحة البلاد وسلامة الدولة». بل إن نص المادة نفسه يذهب أبعد من ذلك إذا شاء أصحاب الاجتهاد التدقيق به، إذ ينص على أن «المعاهدات التي تنطوي على شروط تتعلق بمالية الدولة والمعاهدات التجارية وسائر المعاهدات التي لا يجوز فسخها سنة فسنة، فلا يمكن إبرامها إلا بعد موافقة مجلس النواب».
القراءة الدستورية تتعدى تحديد صلاحيات التفاوض، بل هي تفترض أن الترسيم الحدودي البحري يشمل حصول لبنان على الحقل النفطي الغازي «قانا» الذي ينوي لبنان التنقيب فيه واستخراج الغاز منه لمصلحة مالية الدولة، ما يعني موجب إبرام الاتفاق عليه، في البرلمان أيضاً، لا في الحكومة فقط.
الطريق طويلٌ أمام لبنان للقيام بما عليه من أجل تثبيت حقه في حال نجحت المفاوضات التي يقودها آيموس هوكشتاين، تبدأ بإبرام الاتفاق في الحكومة، وربما في مجلس النواب. والأرجح أن إسرائيل والولايات المتحدة تنتظران تثبيت ترسيم الحدود قانونياً، كي لا تؤدي التقلبات السياسية اللبنانية إلى العودة عنه على طريقة التأرجح بين الخطين 23 و29، والتجاذب حول صلاحيات التفاوض... وبالتالي يتطلب الأمر بداية، قيام حكومة إذا أراد الإفادة من عنصر «الوقت» الداهم، الذي دفع الأمين العام لـ»حزب الله» السيد حسن نصرالله إلى رفع السقف والانتقال من الوقوف «خلف» موقف الدولة إلى خوض السباق مع إسرائيل في شأن استخراجها الغاز من حقل «كاريش». والوتيرة التي يسير بها الفريق الحاكم في لبنان، والسيد نصرالله من ضمنه، منذ 10 سنوات في ما يخص استغلال «الكنز في البحر» لا تؤشر إلى «المسؤولية» التي يتصف بها هذا الفريق في ما يخص مصلحة وطنية وقومية للبلد، باستغلال هذا «الكنز» كطريق وحيد للخروج من أزمته الاقتصادية المالية الخانقة. هذا مع أن الوقت الذي أضاعه لبنان سيتيح لإسرائيل أن تسبقه بأشواط، ويفرض الإقلاع عن مناورات التعطيل والإعاقة التي اتسم بها هذا العهد لأهداف سلطوية لا وظيفة لها سوى منع اكتمال السلطة التنفيذية فيه، بهدف إبقائه معلقاً وعاجزاً عن معالجة مشاكله، وفتح المجال لممارسة السلطة من خارج أطرها الدستورية كما يفعل «حزب الله» وحلفاؤه منذ سنوات، وآخر الفصول توجيه الإنذارات لإسرائيل، بعد الضياع الذي أصاب موقف المسؤولين من الخيارات المطروحة لإنجاز الترسيم بعيداً من المزايدات وتوظيف مسألة مصيرية من هذا النوع لأجل مصالح فئوية وشخصية، في وقت تقتضي مواجهة تعنت إسرائيل والانحياز الأميركي إليها، الحد الأدنى من التماسك في الموقف اللبناني. فإسرائيل أنجزت الحفر في آبار «كاريش»، وسفينة «إنيرجين باور» مهمتها استخراج الغاز واختصاصها التقني هو العمل على فصل الغاز المستخرج عن المياه والبترول اللذين يختلط بهما، تمهيداً لعملية التغويز وتحويله إلى كمية قابلة للبيع...
تسريع وتسهيل تأليف الحكومة، بعكس الانطباع الشائع عن أن البلد ذاهب إلى الفراغ الحكومي، هو المقدمة لتمكين لبنان من الإفادة من الترسيم أو بالنسبة إلى التفاهم مع صندوق النقد الدولي، الذي يصل وفد منه إلى بيروت آخر الأسبوع الطالع أو أوائل الأسبوع المقبل من أجل استطلاع ما سينفذه لبنان من موجبات إنفاذ الاتفاق على مستوى الموظفين الذي وقعه معه في 7 نيسان الماضي.