سامي نادر

تجار الإقتصاد الريعي الجديد

15 حزيران 2022

02 : 00

ما يجري على منصة صيرفة مثير للقلق. لم يعد معلوماً ما إذا كانت هذه المنصة أداة لتوحيد سعر الصرف وضبط تقلباته أم منصة يدخل عليها المضاربون من كل حدب وصوب، يحققون أرباحاً سريعة، طبعاً على حساب المواطنين والإقتصاد. أرباح تقتطع مما تبقى من إحتياطي مصرف لبنان، أي من الودائع المحتجزة. المهزلة المأساة نفسها تتكرر، عنوانها تبديد الثروة الوطنية ورميها في مزاريب الهدر والفساد. أبطالها يتبدلون، في البارحة كانوا مهربي المحروقات والمواد الغذائية المدعومة، اليوم هم المضاربون بالعملة الوطنية. أما المشرفون عليها فلم يتغيروا، صانعو السياسات، يسنونها بمراسيم على القطعة، ضاربين بعرض الحائط معايير الحوكمة الرشيدة، وقواعد الإنتاج.

إليكم نبذة عن هذه التراجيكوميديا: يذهب عميلٌ ما إلى سوق الصرافين، محملاً بالدولارات، يبيعها مقابل الليرة اللبنانية بسعر الصرف الأعلى، وهو سعر السوق الحقيقي، بالرغم من أن هناك من لا يزال يصر على تسميتها السوق السوداء، وليس في هذا الإصرار إلا شبهات، ثم يذهب محملاً بما حصله من ليرات لبنانية إلى أحد المصارف؛ هناك يشتري مقابل الليرات التي حصّلها دولارات وفق سعر المنصة، وهو للتذكير السعر الأدنى للدولار في السوق. هكذا وبكل بساطة يجني العميل جراء هذه العملية التي لا تستغرق إلا ساعات قليلة أرباحاً تتجاوز في بعض الأحيان الـ20%.

ولإستكمال المشهد، يجد العميل المذكور في المصرف أحد الموظفين لتسهيل العملية، طبعاً مقابل بدل أو حصة من هذا الربح السريع. لم يعد سراً أن عملية البيع والشراء على منصة صيرفة محصورة بالبعض على حساب البعض الآخر، سقوفها كما عمولاتها تختلف من مصرف لآخر.

عملية تكرر بصيغ مختلفة، ولكن وفق منطق واحد: وهو اللعب على تعدد أسعار الصرف، والإلتفاف على القيود والتدابير الموضوعة على القطعة ومراسيم فتحت على مصراعيها أبواب الإستنسابية والمضاربة، وعبدت الطريق لطبقة جديدة من «التجار» بالعملة الوطنية. تجار الإقتصاد الريعي الجديد، يمتصون أرباحهم مما تبقى من إحتياطي في مصرف لبنان.

إنها النتيجة الحتمية لسياسات التعاميم المتلاحقة والمتغيرة، ووضع السقوف للسحوبات وعمليات الصيرفة، والدعم على القطعة. إنها النتيجة الحتمية للخروج عن قواعد السوق. للتذكير سعر المنصىة يحدده اليوم مصرف لبنان بحسب ما يضخ من أموال. لذلك هو سعر مدعوم، مدعوم من أموال المودعين.

كل محاولة لضبط سعر الليرة بشكل إصطناعي محكومة بالفشل لأنها تتجاهل وقائع العرض والطلب. لذلك المطلوب منصة مفتوحة على الجميع، أفراداً ومؤسسات، تحصر عملية العرض والطلب من دون قيود وشفافية تامة. هذه هي الخطوة الأولى على طريق توحيد سعر الصرف بإتجاه تحريره الكامل. هذا الإصلاح الأساسي الذي يقطع الطريق على المضاربة، يرفع الضغوط عن الإحتياطي في مصرف لبنان، ويساهم في تصحيح العجز في ميزان المدفوعات. بمعنى آخر يحمي العملة الوطنية والقدرة الشرائية للمواطن اللبناني.