سامي نادر

عذراً... "موديز" على حق !

4 دقائق للقراءة

تتوالى تقارير المؤسسات الدولية بما فيها وكالات التصنيف الدولية بشأن الواقع الإقتصادي في لبنان، قد تختلف في درجة تشاؤمها أو قساوة تقييمها لواقع الحال، لكنها كلها تجمع على خطورة الوضع وكلها توحي أن ما تم إنجازه حتى الساعة غير كاف لإنقاذ الوضع وتلافي الإنهيار.
لبنان الرسمي والطبقة الحاكمة بشكل عام تقف عاجزة أو، وهذا الأخطر، في حالة إنكار لتلك التقارير. منها من يشكك بصحتها ومنها من يأخذ عليها انحيازها. تعوّد لبنان السياسي على الإستخفاف بالأرقام، على تخطيها، على التعامل معها وكأنها خواطر أو وجهات نظر. لبنان السياسي معتاد على تقاذف التهم بدل الإصغاء والإمعان في القراءة، يرى في كل من يتعارض مع رأيه عدواً أو متآمراً.
صحيح أن تلك التقارير، وكان آخرها تقرير موديز و تقرير "فيتش" هي تحاليل. صحيح أن بعضها يخفق أحياناً، معظم وكالات التصنيف أخفقت مثلاً في تقييم أوضاع النظام المصرفي العالمي العام 2008 وعجزت عن توقع الأزمة المالية العالمية. لكن يبقى أن مهمة تلك الوكالات لا بل مسبب وجودها، الدراسة والتقييم اللذين يستندان إلى الأرقام والوقائع. مصداقيتها وديمومتها وشرطها للبقاء تكمن في مهنيتها ودقة تحاليلها.
بالإضافة، وهذا الأهم، أن معظم تلك المؤسسات هي الملاذ الذي يركن إليه المستثمرون لا سيما هؤلاء الذين يحملون في محفظاتهم الإستثمارية سندات اليوروبوند اللبنانية. المستثمرون في العالم حريصون على استثمارتهم قبل أي شيء آخر، لا يفقهون "اللعبة السياسية" الداخلية، لذلك يثقون بوكالات التصنيف أكثر من ثقتهم بالحكومات.
هل المطلوب اليوم أن نتنكر لتلك التقارير ولخلاصاتها وتوصياتها ونركن الى ما تقوله الحكومة اللبنانية أو بعضها؟
هل المطلوب أن نرمي جانباً "موديز" و"فيتش" و"ستاندارد اند بورز" (المتوقع قريباً) ونستند عوضاً عنها الى وعود و"تطمينات" الحكومة اللبنانية؟ هل المطلوب أن نركن الى حكومة وهي نسخة طبق الأصل لتلك التي سبقتها والتي قالت لنا منذ عام تحديداً وقبل توجهها إلى مؤتمر سيدر إنها سوف تخفض العجز إلى 8 % من الناتج المحلي، حتى فاجأتنا البيانات الرسمية الأسبوع الفائت ان العجز تخطى الـ 11.5%؟ فهل المطلوب أن نصدقها وهامش خطئها لسنة واحدة تخطّى الملياري دولار؟
أليست الأطراف المجتمعة في الحكومة اليوم هي نفسها التي أقرّت وبإجماعها كلها سلسلة الرتب والرواتب، مطلب حق رسمت له السياسة الخاطئة، تتنصل من قرارها وتحاول الإلتفاف عليه من خلال التلويح بإعادة النظر بالرواتب والتقديمات؟
ما زال الكثير أمام الطبقة الحاكمة في لبنان لتقوم به كي تستعيد ثقة العالم وثقة اللبنانيين، وحتى ثقتها بنفسها..ربما يأتي هذا اليوم لحظة تلتزم الرقم الذي تعلنه هدفاً أو تحترم الوعد الذي تطلقه.
أما في المضمون، فما تقوله تلك التقارير ليس جديداً، هو فاقع للعيان. النمو الى تراجع، والقدرة التمويلية للإقتصاد الى انحسار. هل ذهب أحد المعترضين على "موديز" مثلاً إلى متجر أو مطعم أو مرفق تجاري وأحصى عدد الزبائن وقارنه بالسنوات الفائتة؟ هلى دقّ أحدهم باب مصرف وسأل عن قرض وعن أسعار الفائدة، وكيف يشكل ارتفاعها اليوم عاملاً ضاغطاً لا بل خانقاً لقطاع الإنتاج، هل سأل أحد عن سبب ظاهرة تأجيل الأعراس لأن قروض الإسكان لم تعد متوفرة كما في السابق؟
الحقيقة أن كلفة تمويل العجز باهظة على الإقتصاد الحي. حجم القطاع العام أكبر بكثير من قدرة الإقتصاد على التحمل. كل مشاريع الموازنة حتى اليوم ليست بمستوى التحدي. المعالجة بالقطعة لن تجدي نفعاً. اللجوء إلى الضرائب والإقتصاد في حالة ركود، سوف يعمّق الركود ليس إلّا. وإطلاق محركات النمو مستحيلة في ظل تعميم نظام المحاصصة وتحول القطاعات إلى محميات حزبية.
سمّيت هذه الحكومة حكومة سيدر بعدما تبنّت في بيانها الوزاري مقررات المؤتمرين بالكامل. لكن حتى اليوم ما رشح عن موازنتها ما زال دون الآمال المعقودة ودون المعايير الموضوعة بما فيها الإصلاحات للإفراج عن المساعدات.
من الصعب إقناع هؤلاء القيمين على سيدر والحريصين على مساعدة لبنان، من باب حرصهم على مصالحهم، بوعود مشابهة لوعود موازنة 2018...لذلك سوف يركنون إلى موديز أولاً.