عيسى مخلوف

صياغة الواقع بين التاريخ والرواية

4 دقائق للقراءة

تقترب الرواية من الواقع، تمسكه بيده وتأخذه إلى الحلم وإلى أمكنة أخرى. يصبح الواقع مزيجاً من معطيات اجتماعية وثقافية ومن أحلام لا يعود معها من مكان للسائد والمألوف. أليس هذا ما فعله غبريال غارثيا ماركيز في روايته "مئة عام من العزلة" من خلال رصده لسيرة عائلة "بوينديا"، جيلاً بعد جيل، في قرية "ماكوندو" المتخيَّلة والواقعة في أحد الأماكن المجهولة من أميركا الجنوبية؟

الكتابة الأدبية تنظر إلى الواقع من زوايا جديدة مبتكَرة، فهي تسبر غوره وتكشف عن جوانب جمالية وإنسانية لا يتوقّف عندها التأريخ اليومي للأحداث والوقائع. وهي، بالإضافة إلى التقاطها التفاصيل المرئيّة، تسعى إلى اكتشاف ما هو غير مرئيّ. أليس هذا ما يطالعنا أيضاً في النصّ الذي كتبه جان جونيه بعنوان "أربع ساعات في شاتيلا"، وهو من وحي ما شاهده في ذلك المخيّم بعد ساعات قليلة من حدوث المجزرة؟. في هذا النصّ، يعبّر جونيه عن تعاطفه مع أجساد الأبرياء التي مزّقتها وحشيّة الحقد، ويكشف عن تواطؤ عميق مع الموتى المقتولين بلغة عالميّة تتجاوز سياق الزمن العادي.

في بعض المرّات، لا ينطلق العمل الأدبي من حدث تاريخي إلاّ ليعيد ابتكاره من جديد، أو ليكتب ما هو نقيضه. وهذه هي الحال مع رواية "حضارات" للروائي الفرنسي لوران بينيه الصادرة أخيراً عن دار "غراسيه" الباريسيّة. لقد تخيّل المؤلّف مساراً آخر للأحداث التي بدأت مع اكتشاف أميركا، وما استتبع هذا الاكتشاف طوال القرن السادس عشر. فبدل أن تصل السفن الإسبانية إلى الشواطئ الأميركية، ويستولي بضعة مئات من المسلّحين على ممالك مؤلّفة من ملايين الأشخاص، جاء الهنود الحمر، وخصوصاً أبناء حضارة الإنكا، إلى أوروبا، وذلك في العام 1531. الذي جاء بالتحديد هو زعيم الإنكا المدعوّ أتاوالبا، وكان برفقة قرابة المئتي شخص فقط، فأسروا ملك إسبانيا كارلوس الخامس واستولوا على مملكته، وذلك في سياق تاريخي معروف: محاكم التفتيش في إسبانيا، الحروب الدينية في أوروبا، الرأسمالية الصاعدة في إيطاليا وألمانيا، قراصنة البحار ودور المطبعة. الانقلاب الذي تخيّله الكاتب في الرواية لو تجسّد في الواقع، لكان تغيّر تاريخ العالم بأكمله على مدى قرون من الزمن. تقتضي الإشارة، هنا، إلى أنّ رواية "حضارات" استلهمت فكرتها الأساسية من قصّة قصيرة وردت في كتاب بعنوان "شجرة البرتقال" للكاتب المكسيكي كارلوس فوينتس.

إذا عدنا إلى الوقائع التاريخيّة الفعليّة، نكتشف إلى أيّ مدى ذهبت الرواية في تحوير الواقع. التاريخ، إذاً، شيء آخر مختلف: في الثالث من آب 1492، رفع كريستوف كولومبس صواري سفينته "سانتا ماريا" وانطلق من أحد شواطئ إسبانيا. بعد 39 يوماً من الإبحار، لاحت اليابسة، ورست سفينة كولومبس على شاطئ جزيرة "غواناهاني" التي أطلق عليها اسم "سان سلفادور". ثمّ وصل إلى هاييتي وكوبا. وكان الانطباع الأوّل الذي دوّنه إثر احتكاكه بسكّان تلك الجزر: "إنهم مسالمون جداً ويجهلون الشرّ. لا يعرفون ما معنى الأسر والقتل. ولأنهم عراة كما ولدتهم أمّهاتهم، فنحن نستطيع أن نأمرهم بما نريد ونجعلهم يزرعون الأراضي ويبنون المدن، ونعلّمهم كيف يرتدون الثياب وكيف يتقيّدون بعاداتنا وتقاليدنا". لقد شكّل وصول الإسبان إلى القارّة الجديدة صدمة كبيرة بين شعبين: من جهة، كان الإسبان وهم يكتشفون تلك القارّة، يعيشون حالة سكر جماعية ويختلط في وعيهم الواقع والأسطورة، إضافة إلى أحلام المجد والبطولات وتحقيق الثروات، ومن جهة ثانية، كان الهنود الحمر في حالة ذعر جماعي. لقد اختصر اللقاء الذي جرى بين الفاتح الإسباني إرنان كورتيس الذي دمّر حضارة الأزتيك وملك مكسيكو موكتيزوما، الفرق بين شعبين. كان ثمة حلمان غير متساويين يتقاطعان منذ البداية. الغزاة يحلمون بالذهب والاعتداء على النساء والاستيلاء على الأراضي وما فيها من ثروات واستعباد شعوبها بقوّة السلاح، بينما كان المكسيكيون يحلمون بأنّ رجالاً مُلتحين تقودهم حيّة مجنَّحة سيصلون إلى أرضهم من وراء البحار ومن حيث تشرق الشمس. لكنّ أحلامهم لم تتطابق مع الواقع، ويأتي الأدب، أحياناً، ليعيد هذا الواقع إلى جذوره النائمة في الحلم.