إيفون أنور صعيبي

تراجع وتيرة نموّ الودائع بالليرة يقلق وكالات التصنيف

4 دقائق للقراءة
بلغ مجمل احتياطي العملات الأجنبية لدى المركزي 31.5 مليار دولار

لا شكّ أن إعلان دولة قطر عن شراء سندات خزينة لبنانية بقيمة 500 مليون دولار سوف يؤثّر إيجاباً على سوق السندات اللبنانية. لكن هل تكون هذه الخطوة كفيلة لإعادة التوازن الى وضع مالي دخل منذ أمد مرحلة الموت السريري؟
إنخفض إجمالي ودائع البنوك التجارية من القطاع الخاص منذ نهاية العام 2018 ، مقارنة مع الفترة عينها من العام السابق. لهذه الواقعة أثر كبير على تصنيف لبنان من قبل الوكالات العالمية. ويشير ارتفاع نموّ الودائع بالدولار بنسبة 5% الى تحويل الودائع من الليرة اللبنانية الى الدولار، وذلك على اعتبار أن متوسط سعر الفائدة على الودائع بالليرة اللبنانية كان 8.6 % أمّا على الدولار فكان 5.7%. وتشير بيانات شهر نيسان إلى أن صافي الودائع قد انخفض الى مستويات غير مسبوقة، خصوصاً من حيث القيمة السنوية، وذلك بعد احتساب أرباح الفوائد المعاد استثمارها.
هذا وأظهرت أرقام ميزان المدفوعات الشهرية لمصرف لبنان عجزاً بلغ 3.3 مليارات دولار أميركي. كذلك، بلغ مجمل احتياطي العملات الأجنبية لدى البنك المركزي 31.5 مليار دولار أميركي ليسجّل انخفاضاً بحوالى مليار دولار مقارنة مع الفترة عينها من العام المنصرم . يمتلك مصرف لبنان أصولًا في سوق العملات بقيمة 6.4 مليار دولار و 11.9 مليار دولار من الذهب لكنه في الوقت عينه، يختزن التزامات كبيرة للمصارف التجارية كلّها بالعملات الأجنبية وهي تقدّر بنحو 60 مليار دولار أميركي (على الرغم من أن النسبة الأكبر منها لآجال طويلة).
ليست هذه الأرقام بالاكتشاف الجديد فتباطؤ النموّ قد بدأ فعلياً في الشهر الأول من العام الجاري حيث تراجعت الودائع بـ2 مليار و200 مليون دولار أميركي. والسبب في ذلك عائد الى ما تمّ تداوله في تلك الفترة حول إعادة هيكلة الدين العام(رغم محاولة رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء ووزير المال تصحيح هذه المغالطة) وإصدار غولدمان ساكس Goldman Sachs لتقارير عن هذا الموضوع.
"حتى اليوم لم تتمكن الأسواق من تعويض الدولارات التي خرجت من لبنان منذ أوائل هذا العام. في الوقت الراهن تترقّب الأسواق حتى يتّضح ما ستؤول إليه الموازنة من إجراءات وإن كانت ستعيد الثقة بالعملة الوطنية. فإن نالت الموازنة الثقة لن يكون هناك تخوّف من استمرار تباطؤ نموّ الودائع بالليرة اللبنانية. إلى ذلك، توقّعت الأسواق أن يتمّ تخفيض النفقات وزيادة الإيرادات ليس من خلال زيادة الضرائب بل بالمكافحة الفعلية للتهرّب الضريبي وإيجاد حلول للأملاك البحرية والمقالع والكسّارات والتهرّب الجمركي التي يمكن أن يُجنى منها أرباح طائلة تكون كفيلة بحلّ المشكلة الفعلية"، يوضح الخبير الاقتصادي نسيب غبريل.
حاول مشروع الموازنة تخفيض النفقات إلا أن هذه المحاولة اتسمت بالخجل خصوصاً وأن النفقات الحكومية بلغت في العام 2018 " 17 ملياراً و800 مليون دولار" أي بنسبة توازي 38% من الناتج المحلّي وهذه النسبة مرتفعة جداً.
تختزن المصارف اللبنانية حوالى 17 ملياراً و500 مليون دولار "وهذه المبالغ التي توازي ثلاث مرّات حجم الاقتصاد الوطني تعتبر جيدة في ظلّ هذا التباطؤ. أما عن تراجع احتياطي مصرف لبنان بالعملات الأجنبية فهو موقّت ويعود سببه إلى دفع المركزي لسندات اليوروبوند (600 مليون دولار في نيسان و500 مليون في أيار) مع الفوائد المترتبة عليها بالكامل" يقول غبريل.
من جهته يعتبر الخبير الاقتصادي دان قزي "إن المشكلة لا تكمن لا في عجز الدولة ولا حتى في تراكم الدين العام فقط بل إن الأخطر من ذلك هو افتقار السوق اللبنانية إلى الدولار أي العملة اللازمة لشراء الواردات التي نستهلكها من الخارج. هذه المشكلة ليست جديدة وقد بدأت فعلياً منذ العام 2010 مع امتناع السيّاح الخليجيين عن المجيء إلى لبنان وتراجع نسب تحويلات المغتربين إلى ذويهم. ما حصل منذ ذلك الوقت أدّى إلى صرف ما لدينا من دولارات دون إيجاد مصادر لاستقطاب بديل لها. وما زاد الطين بلّة كان سلسلة الرتب والرواتب التي أدّت إلى زيادة الاستهلاك وبالتالي ارتفاع الواردات اللبنانية التي تؤدّي حكماً إلى الافتقار إلى المزيد من عملة الدولار".
إذاً، لقد استهلك المركزي احتياطه بالعملات الأجنبية لإيجاد بديل للدولارات التي تخرج من لبنان غير أن خطّته قد فشلت وقد فقدت بالتالي الهندسات المالية السبب الذي وضعت لأجله. فبحسب الأرقام الصادرة عن مصرف لبنان فإن أسواقنا المحلّية قد خسرت 20 مليار دولار منذ العام 2010 حتى الساعة.
يمكن تشبيه الوضع الراهن بزجاجة مياه وسط صحراء قاحلة..في الصحراء من المستحيل إيجاد مصدر مياه لملء الزجاجة فكيف يمكن إذاً إيجاد سبل لاستقطاب "الدولارات" في ظلّ الأوضاع القاتمة؟