إدوار ألدين

الأزمة الاقتصادية العالمية مختلفة هذه المرة

20 حزيران 2022

المصدر: Foreign Policy

02 : 00

اجتماع وزراء التجارة في منظمة التجارة العالمية في جنيف - ١٧ حزيران ٢٠٢٢
لطالما كانت مرونة الحكومات التي تتعامل مع الأزمات الجدّية من أبرز العوامل المؤثرة في النظام الاقتصادي العالمي منذ الحرب العالمية الثانية. بدءاً من الركود التضخمي وانهيار نظام عملة "بريتون وودز" خلال السبعينات، وصولاً إلى الأزمة المالية الآسيوية في التسعينات والأزمة المالية العالمية في هذا القرن، أثبتت اقتصادات العالم الكبرى قدرة مفاجئة على ابتكار طرقٍ للتعاون ومعالجة التحديات الخطيرة. لكن قد تكون الأزمة هذه المرة الأخطر على الإطلاق لأن البنوك المركزية تعجز عن طباعة القمح والبنزين في ظل ظهور سلسلة كاملة من المشاكل المتلاحقة: الحرب بين روسيا وأوكرانيا، التضخم، نقص في مصادر الطاقة والمواد الغذائية عالمياً، تفكيك فقاعات الأصول في الولايات المتحدة، أزمات ديون في الدول النامية، تداعيات جائحة كورونا بسبب تدابير الإقفال التام، اختناق سلاسل الإمدادات. مع ذلك، تتراجع المؤشرات على إطلاق الردود الجماعية اللازمة لتجاوز هذه التحديات. لم يسبق أن كان التعاون العالمي ضرورياً كما هو اليوم، لكنه يبدو مستبعداً حتى الآن.

تكمن المفارقة في انهيار التعاون اليوم بسبب النجاحات الغابرة. تعني قدرة العالم سابقاً على إدارة الأزمات، وتجاوز الاضطرابات، وتحريك مسار النمو العالمي، أن عدداً متزايداً من الدول أصبح ثرياً بما يكفي لفرض نفوذه والمطالبة بمراعاة مصالحه. تحاول جهات أخرى تحقيق أهدافها الإقليمية أو الإيديولوجية التي تعتبرها أكثر إلحاحاً من الأولويات الاقتصادية الفورية. نتيجةً لذلك، أصبح الإجماع شبه مستحيل. لهذا السبب، سيكون العالم محكوماً بسلسلة من الردود الجزئية والمتنافِسة خلال هذه الأزمة بدل ابتكار طريقة لمعالجة التحديات جماعياً.

يُعتبر اجتماع وزراء التجارة في منظمة التجارة العالمية في جنيف، خلال هذا الأسبوع، خير مثال على ذلك. أصبحت هذه المنظمة مكبّلة لأنها تشمل 164 عضواً ويتطلب أي اتفاق محتمل إجماعاً كاملاً بين الأعضاء. تعجز هذه الدول مثلاً عن الموافقة على التنازل عن حقوق براءات الاختراع الخاصة بلقاحات كورونا. حتى أنها تتفاوض منذ أكثر من عقدَين على كبح الإعانات التي تُسهّل الصيد الجائر في محيطات العالم.

حققت منظمة التجارة العالمية إنجازات جديدة لتحديد قواعد التجارة وحل النزاعات، لكن بقي دورها محدوداً في معالجة التحديات الراهنة في سلاسل الإمدادات. ومن المستبعد أيضاً أن تتعامل مع أزمة الغذاء العالمية بالشكل المطلوب لأن أكثر من 24 دولة سبق وفرضت قيوداً على التصدير للحفاظ على إمدادات الغذاء التي أصبحت مُهددة بسبب انهيار صادرات الحبوب الأوكرانية والروسية.

نشأت مجموعة العشرين في الأصل نتيجة سلسلة من الأزمات المالية، بما في ذلك أزمة البيزو المكسيكي بين العامين 1994 و1995، والأزمة المالية الآسيوية بين 1997 و1998، وانهيار العملة الروسية في العام 1998. بحلول تلك الفترة، ظهرت قوى اقتصادية جديدة وشكّل إنشاء مجموعة العشرين اعترافاً بالواقع المتبدّل. شملت المجموعة دولاً مثل الصين، والهند، والبرازيل، وروسيا، والمكسيك، وأندونيسيا، فتوسّع بذلك منتدى الدول الغنية وبات يمثّل أطرافاً متزايدة من الاقتصاد خلال التسعينات. وعلى غرار مجموعة الدول الصناعية السبع، بدأت مجموعة العشرين على شكل اجتماع اعتيادي بين وزراء المالية قبل أن تتحول إلى قمة سنوية بين القادة خلال الأزمة المالية العالمية في العام 2008. في فترة الأزمة والمراحل اللاحقة، أصبحت مجموعة العشرين محور الجهود العالمية لتجديد النمو الاقتصادي، وساهمت في تحريك عجلة الاقتصاد العالمي عبر تدابير تحفيزية منسّقة، وسعت إلى تقوية التنظيمات المالية، وزادت قدرة الإقراض في صندوق النقد الدولي.

لكن نادراً ما كان هذا النوع من الجهود المشتركة مؤثراً. تفتقر مجموعتا العشرين والدول الصناعية السبع إلى الصلاحيات اللازمة لاتخاذ القرارات، ما يعني أنهما تكتفيان بتشجيع الدول على تبنّي سياسات داعمة ومتبادلة. لا تهدف هذه المنظمات عموماً إلى تطوير مخططات كبرى للتعافي بقدر ما تحاول منع تدهور الوضع. خلال الأزمة المالية العالمية، نجحت مجموعة العشرين مثلاً في انتزاع وعود قوية من الدول الأعضاء لتجنب اللجوء إلى السياسة الحمائية التي كانت لتزيد التباطؤ العالمي سوءاً، وقد نُفّذ معظم تلك الوعود. تبقى هذه الإنجازات المتواضعة أفضل من إصرار الدول على تحقيق أهداف متقاطعة أو إضعاف المصالح الاقتصادية الخاصة بالأطراف الأخرى.

إذاً بقيت منظمة التجارة العالمية مكبّلة بسبب حاجتها إلى الإجماع، وإذا كانت مجموعتا العشرين والدول الصناعية السبع تفتقران إلى الصلاحيات اللازمة، فأي هيئة أو مجموعة تستطيع إنقاذ الوضع هذه المرة؟ هذا السؤال وحده يثبت مدى صعوبة تنسيق أي رد عالمي للتعامل مع مجموعة الأزمات الراهنة. يسعى الأميركيون وحلفاؤهم إلى إفساد الاقتصاد الروسي من خلال فرض أقسى عقوبات ممكنة، وتردّ روسيا على هذه التدابير عبر منع شحن الحبوب الأوكرانية عن طريق موانئ البحر الأسود. هذا الوضع يمعن في تقسيم مجموعة العشرين وتجريدها من قدراتها. دعت وزيرة الخزانة الأميركية، جانيت يلين، إلى طرد موسكو من المجموعة وهدّدت بمقاطعة الاجتماعات في حال حضور روسيا. حتى أنها خرجت من اجتماع لمجموعة العشرين في واشنطن، مع عدد من وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية من دول عدة، في شهر نيسان، حين بدأ الوفد الروسي خطابه.

انتهى ذلك الاجتماع من دون صدور البيان المعتاد الذي يذكر نقاط التوافق. لكن من المستبعد أن يتم إقصاء روسيا من المجموعة. وحدها كندا وأستراليا انضمّتا رسمياً إلى المطالبات الأميركية باتخاذ هذه الخطوة. سبق وأرسلت أندونيسيا، التي تستضيف قمة هذه السنة، دعوة إلى روسيا لحضور الاجتماع المقرر في تشرين الثاني. قد تكون مشاركة روسيا وحدها كافية لإبطال مفاعيل مجموعة العشرين، لكن من المستبعد أن يوافق الأعضاء الآخرون على أي استراتيجية ترتكز على تقوية الاقتصاد العالمي تزامناً مع عزل موسكو. رفضت الصين تحديداً قطع علاقاتها مع روسيا، وهي تُركّز على توسيع هامش اكتفائها الذاتي لحماية اقتصادها من العقوبات التي فرضتها الاقتصادات الغربية على موسكو.

تبدو هذه الاقتصادات الغربية موحّدة أكثر مما كانت عليه منذ سنوات، بفضل مجموعة الدول الصناعية السبع ومنتديات أخرى، مع أن الخلافات مستمرة حول نطاق العقوبات ضد روسيا. هذا الإنجاز ليس بسيطاً، إذ تشكّل الاقتصادات في هذه المجموعة حوالى نصف الاقتصاد العالمي حتى الآن، وهي رائدة في معظم التقنيات المتطورة. تجاوزت الولايات المتحدة وأوروبا الخلافات المرتبطة بتجارة الفولاذ والألومنيوم والطائرات، إذ تبدو هذه المسائل سخيفة في ظل الظروف الراهنة.

لكنّ حجم التحديات اليوم يتجاوز ما تستطيع مجموعة الدول الصناعية السبع معالجته وحدها. طوّرت هذه المجموعة مثلاً خطة قوية وواعدة، بموافقة أكثر من 50 بلداً، لمعالجة مشاكل الأمن الغذائي عبر تكثيف الدعم المالي والتقني مقابل أن تتخلى الدول عن حظر التصدير وأي تدابير أخرى قد تزعزع أسواق الغذاء العالمي. لكن تمنع الهند إطلاق هذه المبادرة حتى الآن، علماً أنها كانت قد حظرت تصدير القمح في الشهر الماضي. كذلك، ترفض نيودلهي تدابير أخرى لتحرير مخازن المواد الغذائية لصالح البلدان الأكثر فقراً، سعياً لزيادة اكتفائها الذاتي في مجال الإنتاج الزراعي.



الرئيس الأميركي جو بايدن



أطلقت إدارة بايدن محاولات مبتكرة لإيجاد الحلول وبناء التحالفات مع دول تحمل العقلية نفسها. ينسّق مجلس التجارة والتكنولوجيا بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي الردود المشتركة على المسائل المرتبطة بقيود التصدير، وتقاسم البيانات، ودرجة المرونة في استعمال التقنيات الأساسية. أطلق الرئيس الأميركي جو بايدن، خلال زيارته إلى طوكيو في الشهر الماضي، إطاراً اقتصادياً جديداً لمنطقة المحيطَين الهندي والهادئ، وهو يشمل اليابان وكوريا الجنوبية والهند. لا تزال التفاصيل مبهمة، لكن يهدف هذا المنتدى الجديد إلى تعزيز التعاون في مسائل مثل التجارة الرقمية وإزالة الكربون وتنسيق الضرائب. كذلك، أعلنت الولايات المتحدة خلال قمة الأميركيتَين حديثاً عن شراكة الازدهار الاقتصادي التي تحمل أجندة مشابهة. لكن لم يحضر الاجتماع ثاني أكبر اقتصاد في أميركا اللاتينية بعد البرازيل، فقد قاطع الرئيس المكسيكي أندريس مانويل لوبيز أوبرادور القمة بعدما قررت إدارة بايدن استبعاد كوبا وفنزويلا ونيكاراغوا.

قد تكون هذه المبادرات مبتكرة، لكنّ أياً منها لا يرقى إلى مستوى التحديات العاجلة. خلال الأزمات السابقة، نجحت أهم حكومات العالم في وضع خلافاتها جانباً لإطلاق ردود قوية وفاعلة. لكن لا يوحي الوضع بحصول ذلك هذه المرة. قد يكون انهيار التعاون بهذا الشكل أطول أثر وأكثره خطورة من بين سلسلة الأزمات المتداخلة راهناً. حتى الآن، لم تتضرر التجارة العالمية ككل بسبب هذه الاضطرابات: بلغت مستويات التجارة مستوىً قياسياً في العام 2021 لكنها بدأت تتباطأ هذه السنة، واضطربت قطاعات مثل الطاقة والمواد الغذائية بدرجة كبيرة. لكن جاءت الأزمات الراهنة لتنسف أي ثقة متبقية بقدرة أهم اقتصادات العالم على توحيد صفوفها، بغض النظر عن خلافاتها، للتأكيد على أهمية النمو الاقتصادي والاستقرار، وتكثيف التعاون لتحقيق هذه الأهداف. باختصار، لا أحد يتولى قيادة السفينة هذه المرة.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.