آدم شمس الدين

تعدّدت جمعيات الدفاع عن الحقوق... والغضب اليائس واحد

ما سرّ صراخ صغار المودعين... وشبه صمت كبارهم؟!

20 حزيران 2022

02 : 00

غضب المودعين لن يهدأ

إذا كان شهر كانون الاول عام 1997 هو تاريخ بداية توهم اللافرق بين وديعة بالليرة اللبنانية وأخرى بالدولار، بفعل تثبيت سعر صرف العملة الوطنية مقابل العملة الأميركية، فان شهر نيسان 2020 كان نهاية هذا الوهم أو التوهم. على مدى 23 عاماً، وبفعل سياسة تثبيت سعر الصرف، لم يكن هناك من فرق بين إيداع الاموال بالليرة اللبنانية او الدولار الاميركي إلا دفترياً. ولا فرق، بالتعريف القانوني، بين مودع صغير أو كبير بالليرة ومودع صغير أو كبير بالدولار. وما كان لأي راغب بسحب وديعته المودعة بالليرة، بالدولار، سوى طلب ذلك والعكس صحيح. العملية الحسابية كانت تجري بضرب المبلغ بـ1500 للحصول على ليرة، او تقسيم المبلغ على 1500 للحصول على دولار، وهو الجهد الوحيد الذي كان يجب ان يبذل من قبل المودع والمصرفي.

20 نيسان... التاريخ المفصلي

في التاسع من نيسان 2020، قرر حاكم المصرف المركزي تقسيم المودعين الى طبقتين. طبقة المودعين بالليرة وطبقة المودعين بالدولار. بشخطة تعميم رقمه 151، وجد المودعون بالليرة اللبنانية انفسهم امام لعنة الوثوق بعملتهم الوطنية التي كانت بـ»ألف خير»، فيما اعتبر المودعون بالدولار أنفسهم محظوظين في البداية كونهم سيستفيدون من الفرق بين دولارهم المصرفي الذي تحددت قيمته بـ3900 ليرة بحسب التعميم ولو بسقف سحب محدد، وقيمة الدولار في السوق الذي لم يكن قد تجاوز حينذاك عتبة 3 آلاف ليرة. لم يكن فيليب المقدوني ليتخيل يوماً أن شعاره “divide et impera” (فرق تسد) سيستخدم على شكل تعميم مصرفي. بالتعميم 151، انقسم المودعون بين من توهم الاستفادة، ومن لعن حظه لوثوقه بالليرة الوطنية. لكن الوهم سرعان ما تبدد سريعاً، ولعنة الحظ ستصبح جامعة لمجرد الوثوق بالنظام المصرفي اللبناني والحاكم بأمر المال. ومع تبدد الوهم وحلول اللعنة على الجميع، بدأت تتشكل بوادر تجمعات وتكتلات تتناول حقوق المودعين.



حسن مغنية


جمعية تنشأ من صرخة علاج والدة

قبل ثلاثة أيام من هذا التعميم، كان حسن مغنية يتظاهر أمام أحد فروع المصارف الذي رفض اعطاءه وديعته ليتمكن من التكفل بعلاج والدته في المستشفى. معاناة مغنية التي لاقت تفاعلاً كبيراً على مواقع التواصل الاجتماعي لم تكن فردية، بل كانت واحدة من معاناة كثيرين تحولوا رهائن لاستنسابية المصارف وكيفية تعاملها مع المودعين صغاراً كانوا أم كباراً. يقول مغنية الذي يترأس اليوم جمعية المودعين ان الجمعية ولدت من رحم معاناة شخصية، وجمعت في تمثيلها معاناة الآخرين لتتحول الى جسم تمثيلي لهؤلاء.



... وجمعية من رحم 17 تشرين

فيما يعتبر مغنية، على سبيل المثال، ان رابطة المودعين تأسست من رحم انتفاضة السابع عشر من تشرين. سبق تأسيس جمعية المودعين تأسيس رابطة المودعين التي ينشط فيها نزار غانم اضافة الى آخرين.

جمعية تنقسم إلى اثنتين

«الرابطة» و»الجمعية» ليستا الهيئتان التمثيليتان الوحيدتان للمودعين. بالاضافة اليهما، ظهر ما يسمى بـ»صرخة المودعين» التي سرعان ما انقسمت الى قسمين: «صرخة المودعين» و»صرخة المودعين، أموالنا لنا». أمام هذا التعدد في التمثيل، بات لزاماً السؤال حول سبب أو أسباب عدم توحد هؤلاء في هيئة تمثيلية واحدة. فاذا كانت المصارف موحدة تحت لواء جمعية تدعي تمثيلهم جميعاً، فلماذا لا يتوحد من يمثل المودعين في جسم واحد؟ وهل بات تعدد التمثيل وسيلة من وسائل التفرقة في ما بين المودعين؟

التعدد لا يعني الانقسام

يرى رئيس جمعية المودعين حسن مغنية ان عدم انضواء كافة ممثلي المودعين تحت لواء واحد موحد لا يعني بالضرورة وجود انقسام في ما بينهم. يقول مغنية: «نحن على تنسيق دائم، ووجود تنوع تنظيمي هو أمر إيجابي لا سلبي، والتمايز في العمل التنظيمي أمر مساعد. من الافضل ان تأتي الصفعات من يدين منفصلتين على أن تأتي من يد واحدة». يؤكد مغنية انه «لا يمكن لأي جمعية أو رابطة ان تدعي انها تمثل كافة المودعين. إذ يكفي أن يعتبر مودع واحد نفسه غير ممثل بأي من هذه الجمعيات لكي تنتفي الصفة الاحتكارية عن أي منها. وعليه، فان التمني الوحيد بالنسبة لأي جهة تمثل المودعين هو الابتعاد عن السياسيين وتحديداً الفاسدين منهم»



نزار غانم


السياسة تفرق دائماً

نزار غانم من رابطة المودعين يرى أنه «ليس هناك اي مشكة في تعدد ممثلين المودعين شرط الاتفاق على اطار سياسي، مالي واقتصادي «اذا في اتفاق منشتغل مع مين ما كان». ويضيف: «بالنسبة لصرخة المودعين بشقيها، فهناك اختلاف في السياسة معها. بالنسبة لنا ليس لديهم موقف سياسي متماسك، وهناك علامات استفهام حول الارتباطات السياسية». في هذه النقطة يقول حسن مغنية من جمعية المودعين ان «مقاربة الجمعية كانت دائماً بدعوة من يتحصن من مودعين بمرجعيات سياسية أن يلجأ الى زعيمه السياسي ومطالبته باعادة الحق. واذا استطاع الى ذلك سبيلاً، فليقدم لنا ببطاقة انتساب لحزبه... ببساطة هذا مستحيل! لأن المرجعيات السياسية لا تضع حقوق المودعين ضمن أولوياتها».

التمييزعلى أساس طبيعة الوديعة

غالباً ما يربط بين نشاط جمعية المودعين أو الرابطة بتمثيلهما صغار ومتوسطي المودعين فحسب، في حين يؤكد كل من حسن مغنية رئيس جمعية المودعين ونزار غانم من رابطة المودعين عدم التفريق بين المودعين بحسب حجم الوديعة، بل التفريق هو على اساس طبيعة الودائع. يقول غانم أنه «يجب التفرقة بين كبار المودعين وبين المجرمين والمتهربين من الضرائب، وليس كل كبار المودعين فاسدين. كما يجب التفريق بين كبار المودعين والمساهمين في المصارف. المساهمون في البنوك يجب تحميلهم المسؤولية، فيما كبار المودعين، وبحسب طبيعة وديعتهم، يتشاركون في تحمل الخسائر بعد توزيع المسؤوليات. ولكن علينا ان لا ننسى ان جزءاً كبيراً من المودعين لديهم من يمثلهم، في مجلس الوزراء والمجلس النيابي وجمعية المصارف وأغلب اركان الطبقة السياسية»... وهنا يكمن سر صمت هؤلاء حتى الآن بانتظار شيء ما وعدوا به.

الاطاحة بكبار المودعين الفاسدين

من جهته، يقول مغنية ان الجمعية لا تفرق بين مودع ومودع. ويشدد على ان «مقاربة الجمعية كانت دائماً بالدعوة الى تفعيل وحدة التحقيق الخاصة، وازاحة الحاكم عن رئاستها. فتفعيل اللجنة يؤدي الى الاطاحة بجزء كبير من المودعين الكبار الذين راكموا ثروات عبر السرقات والفساد والتهرب الضريبي».



كريم ضاهر



ليس صحيحاً أن جمعية المصارف متحدة

مع تعمق الازمة واستمرار نهج «اللاخطة» من قبل المصارف ومصرف لبنان، تشكلت بالاضافة الى جمعيات المودعين جهة قانونية منبثقة عن نقابة المحامين، متمثلة بلجنة حماية المودعين ومرصد خاص لدراسة القوانين المتعلقة بالشؤون الاقتصادية ومكافحة الفساد، لتشكل اطاراً استشارياً لكافة الجمعيات التي تمثل المودعين، فضلاً عن اتحاد نقابات المهن الحرة. وعليه، مع توسع المظلة الجامعة لهذا الكم المتنوع من المنظمات الممثلة للمودعين على كافة فئاتهم، سألت «نداء الوطن» عضو اللجنة المحامي كريم ضاهر عن الخلل في المواجهة بين جمعية موحدة كجمعية المصارف ووعاء شديد التنوع كلجنة حماية المودعين والمرصد. يرفض ضاهر المقاربة من الأساس، ويعتبر أن «جمعية المصارف غير موحدة. ومن غير الصحيح اعتبار جمعية المصارف على أنها جسم موحد. وبات هناك فريقان ضمن هذه الجمعية: فريق يعيش في النكران ويريد الاستمرار بالمقاربة الحالية للأزمة، وفريق آخر يريد التوصل الى تسوية. ولذلك بات ضرورياً، وهو ما نكرره دائماً، انه يجب الفصل بين المصارف والاداريين والمساهمين فيها، وضمن الاداريين بين المرتكبين وغير المرتكبين ولو كانوا ارتكبوا اخطاء».

ودائع مشروعة... غير مشروعة!

يؤكد ضاهر ان مقاربة اللجنة والمرصد تقوم على ان «الأساس هو عدم الإفلات من العقاب، والتمييز بين الودائع المشروعة وغير المشروعة. وبعد تحديد ذلك، واقرار قانون مناسب لاعادة هيكلة المصارف، يبدأ البحث في توزيع الخسائر».

الاتحاد صعب... التنسيق ممكن

يصر ضاهر على ان عدم التوحد في جسم تنظيمي واحد لتمثيل المودعين مرتبط بطبيعة التمثيل نفسه. معتبراً ان «كافة الجمعيات التي تتحدث باسم المودعين، هي أجسام تمثيلية وضحية في الوقت نفسه. وبالتالي، بخلاف عملية الانتخاب التي تجري عادة لتحديد الممثلين، من الصعب تطبيق ذلك في حالة المودعين للخروج بجسم موحد يستطيع ان يحسم الصفة التمثيلية لكافة المودعين بتنوعاتهم وفئاتهم المختلفة. ما هو مهم هو خلق اطار تنسيقي للجمع بين التنوعات العديدة. وأعتقد انه حتى اللحظة نجحت كافة الجهات الممثلة للمودعين في الحفاظ على الحد الادنى من التماسك للاستمرار في المواجهة».

مصير الاتحاد العمالي العام؟

على مدى ثلاثين عاماً ومنذ انتهاء الحرب، حرصت السلطة على تدمير النقابات أو اختراقها، لمنع نشوء أي جبهة موحدة تواجه ما يتفق على فرضه في كواليس المحاصصة. فتحول الاتحاد العمالي العام والنقابات المنضوية فيه الى واجهات حزبية تستخدم في المعارك السياسية بشعارات نقابية. هذه التجربة تدفع اي مراقب الى التوجس من اعتماد المقاربة نفسها لضرب نشوء اي جبهة موحدة تحمل لواء الدفاع عن حقوق المودعين، وتقسيمها الى جبهات تستخدم في الصراع السياسي لتجزئة المعركة الى معركة حقوق متناثرة: حقوق المودعين بالدولار، حقوق المودعين بالليرة، حقوق صغار أو متوسطي أو كبار المودعين... فيضيع الحق كاملاً. فما يفرق بتعميم، يسود بنهج بات واضحاً.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.