جوزفين حبشي

"لو ما التقينا"... طريقان أولهما مقنع والثاني لا

24 حزيران 2022

02 : 05

لو ما التقينا

"لو ما حبيتك لو ما، كانوا عيوني عرفوا النوم، ولا عرفت اللوعة يوما". هذا ما غناه المطرب الراحل مروان محفوظ من الحان زياد الرحباني.

بدورها النجمة اليسا غنّت من كلمات والحان مروان خوري "لو، غمضت عينيّي ومشيت، لا اتطلعت فيي ولا حكيت، يا ريتك ما جيت".




ملصق المسلسل



أما الممثل يوسف الخال، بطل مسلسل "لو ما التقينا" (يعرض حالياً على شاشة LBC) فيخالفهما الرأي بشدة. فلو طُلِب منه أن ينشد شارة المسلسل بدلاً من المطرب عامر زيّان، لكان غيّر "تغيّرت كتير ما عرفتك، أبداً أبداً ما عرفتك"، بكلمات أخرى قد تكون: "لو ما التقينا، ما كنت وقعت في حبك من النظرة الأولى، وما كنت تزوجتك بسرعة البرق رغم انني معقّد نفسياً ولا اثق بالنساء. لو ما التقينا، ما كنت سأشفى من صدمات الماضي وما كنت سأواجه جدّي الوحش الكاسر والحاقد على النساء بشكل عام، وعلى أمي التي خانت ابنه، فقرر الانتقام منها وتعذيبها واحتجازها هي المقعدة والخرساء لاكثر من 25 عاماً في البيت. لو ما التقينا، ما كنت سأسامح اختي التي حملت من دون زواج، وما كنت سأحميها من جدّي الذي قرر معاقبتها بقتلها"... لو ما التقت شخصية يوسف الخال بالحب في مسلسل "لو ما التقينا" لما كان شفي، فالحب هو الداء والدواء للنفوس المعذبة.

المسلسل دارما نفسية رومنسية مؤلفة من 30 حلقة، عرضت لأول مرة خلال شهر رمضان 2020 على محطة قطرية "بي إن دراما"، من انتاج "غولد فيلمز" (المنتجة المنفذة كارولين ميلان)، عن قصة وسيناريو وحوار للصحافية ندى عماد خليل في أولى كتاباتها الدرامية (تلاها لاحقاً مسلسل "الام البديلة" العراقي الانتاج). الإخراج لإيلي الرموز("لغز الأقوياء" و"لأنك حبيب")، والبطولة لمجموعة كبيرة من الممثلين اللبنانيين، نذكر منهم يوسف الخال وسارة أبي كنعان ونتاشا شوفاني ورندة كعدي وعصام الأشقر ويوسف حداد وفيفيان أنطونيوس ونوال كامل ونعمة بدوي وختام اللحام وطوني عاد وجوزف حويك وميرنا مكرزل وفيصل اسطواني.



عائلة ريما



يدعونا "لو ما التقينا" للقاء عالم العقد النفسية والماضي الملطخ بالخيانة والدم والشرف، والتربية القاسية وصدمات الطفولة التي من الصعب أن تلتئم جراحها من دون أن تترك أثراً في صميم الشخصيات. قصة اجتماعية نفسية، مليئة بالاحداث المتسارعة دائماً، والمشوّقة غالباً، وغير المقنعة والمنطقية احياناً، تسير بها الكاتبة ندى عماد خليل على خطّين: الخط الأول الذي تطغى عليه الأجواء النفسية الخاصة بعائلة هادي (يوسف الخال)، وهو خط تفتقد حبكته للمنطق والتبرير المقنع غالباً، رغم أن عالم العقد النفسية قد يكون أغرب من الخيال. والخط الثاني الاجتماعي اكثر لأسرة ريما (سارة ابي كنعان) وتمتاز حبكته واجواؤه ويومياته وقصص شخصياته بالواقعية المقنعة اكثر.

تبدأ القصة مع هادي (يوسف الخال) مصمم أزياء ثري ومعقد من النساء، عندما سيقع فوراً في غرام ريما (سارة ابي كنعان) ويتزوجها بسرعة قياسية، لأن شالها الملفوف حول عنقها سيذكره بوالدته (تؤدي دور الام في شبابها، تمارا حاوي ابنة المبدعة رندة كعدي في دور امه في الزمن الحالي). صحيح سرعة الزواج غير منطقية، ولكن سرعة الاحداث المتلاحقة لاحقاً، نقطة تحتسب لصالح المسلسل. إذ وبعد هذا الزواج الاكسبريس، ستبدأ الاسرار بالانكشاف، لنتعرف الى عالم هادي المعقد والغامض بسبب خيانة امه لأبيه قبل اكثر من 25 عاماً. هذه الخيانة ستفقد الجد القاسي والظالم (عصام الأشقر) صوابه، مما يدفع الام لاقناع زوجها بالهرب مع ولديهما الصغيرين هادي وندى بعيداً من بطش الجد. العائلة ستتعرّض لحادث، فيموت الاب، ويقنع الجد الولدين ان امهما ماتت أيضا، فيربيهما بقسوة شديدة، بينما هو سيضع يديه على عنق كنته المقعدة، ويحكم عليها بالسجن المؤبد والعذابات النفسية الشاقة داخل جدران بيت الجبل لسنوات طويلة. لماذا؟ لأنه معقّد؟ ممكن، مع العلم أن هذه الحبكة مع ما يترافق معها من وحشية الجد الشبيه بوحش كاسر، غير مبررة وغير منطقية ومبالغ بها ويصعب تصديقها وهضمها. لاحقاً سيكتشف هادي ان امه لا تزال على قيد الحياة، وسيعقد اتفاقاً مع جده بالصمت مقابل حماية اخته ندى (ناتاشا شوفاني) التي حملت من دون زواج، واجبارها على الرحيل خارج البلاد. مع عودة ندى الحامل بجنين من زوجها الجديد (جوزف حويك) وابنها، سيستيقظ انتقام الجد، وخوف هادي على كل من يحب.



حقد غير مبرر



وبموازاة خط عائلة هادي، يسير بنا المسلسل على خط عائلة ريما المتفرعة على عدة خطوط بدورها، والتي لا تخلو بدورها من التعقيدات، وإن بشكل منطقي اكثر كما ذكرنا سابقاً، خصوصاً الوالدين (نوال كامل، ونعمة بدوي) والعمة العمياء (ختام اللحام) التي تعاني الامرين بسبب ابنها "الازعر" أنور (قاسم منصور)، والشقيقة نورا (فيفيان أنطونيوس) التي تعيش علاقة متوتّرة مع زوجها فادي (يوسف حداد) بسبب وضعهما الاقتصادي الصعب وخسارته لعمله، مما سيدفعها لخيانته من خلال الفيسبوك. وما يزيد الطين بلة، تعرّض ابنتهما الصغيرة للتحرّش من قبل جار وصديق للاب، سينتهي به الامر بالانتحار بعدما تكشّفت فعلته.

المسلسل متواضع الإنتاج صحيح، ولكن لم يعد مسموحا تبرير الضعف الفني والاخراجي والمونتاجي بالضعف الإنتاجي. الاخراج عادي غالبا من دون أي بصمة تميّزه، وغير مقنع في تنفيذ اللقطات التي تعتمد على المؤثرات الخاصة (الحريق مثلاً)، والمونتاج ليس برشاقة الاحداث. وتبقى بعض الاداءات المميزة لبعض الممثلين (ليس كلهم) هي الرافعة الأساسية للمسلسل. كاريزما يوسف الخال هي نفسها دائماً، وتفرض حضورها بقوة، مع الإشادة برسمه لهذا الدور المركب الذي تتجاذبه الرومنسية والغيرة والشك والعقد النفسية وجراح الماضي. أداء سارة أبي كنعان الطبيعي والعفوي والواقعي محبب وقريب من القلب. نتاشا شوفاني لافتة ومؤثرة وموفقة مع جوزف حويك في ثنائية متناغمة ومقنعة. عصام الأشقر في المقابل غير مقنع بتاتا في أداء ضعيف يقارب الكاريكاتورية لشخصية مهزوزة وغير مقنعة بهمجيتها ومبالغاتها غير المبررة. رندة كعدي الرائعة دائماً، تعطي أي دور تؤديه الثقل والحجم، ولكن للاسف الدور المحدود نسبياً (ليس بالمساحة) ليس بحجمها. ختام اللحام هي نفسها بشخصية الام المنكسرة والتي تبرع فيها حتماً، رغم انها أصبحت قضبان سجنها الفني. نعمة بدوي محبب ومقنع في شخصية الاب الحنون والمتفهّم، ويبقى ختامها مسك نوال كامل السلسة جدا بادائها الطبيعي والعفوي لدور الأم اللبنانية بامتياز من حيث الحشرية والطرافة والمناكفات مع زوجها و"النكوزة" بصهرها.

ختاماً، لا تخلو طريق مسلسل "لو ما التقينا" من الثغرات، على صعيد التنفيذ الفني، والتبرير المنطقي لبعض الاحداث، والأداء الضعيف لبعض الممثلين. لو شُدشدت هذه الثغرات اكثر، لما كانت هناك كلمة لو على "لو ما التقينا".


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.