تصادف هذا الشهر الذكرى التاسعة والثلاثون لرحيل الشاعرة اللبنانيّة باللغة الفرنسيّة ناديا تويني التي استلهمت تجربتها من معاناتها الشخصيّة ومن بلاد "تتساقط فيها الأوراق مستقيمةً كالدمع"، على حدّ تعبيرها. ولدت الشاعرة في لبنان في العام 1935. درست في بيروت، وكذلك في أثينا حيث كان والدها سفيراً للبنان. تزوّجت في العام 1954 من غسّان تويني ورافقته في حياته المهنيّة والسياسيّة، من بيروت إلى باريس، ومن واشنطن إلى نيويورك حيث عمل سفيراً للبنان في الأمم المتّحدة بين 1977 و1982.
تَفَجَّر شعر ناديا تويني إثر إصابة ابنتها الصغيرة، نايلة، بالسرطان، فكتبت حينذاك مجموعتها الشعريّة الأولى التي صدرت مطلع السبعينات بعنوان "النصوص الشقراء"، ولقد عبّرت فيها عن حبّ جارف يتجاوز المخاطر ويتحدّى المشقّات مهما كان نوعها. هكذا ظلّت تروي لها حكايات خرافيّة كما لو أنّها ما زالت حيّة. الحكايات التي كانت تحبّ الاستماع إليها، وقد تحوّلت، بعد غيابها، إلى قصائد. ولم يمضِ وقت طويل على وفاة الإبنة حتى أصيبت الأمّ نفسها بالمرض، فجاءت مجموعتها الشعريّة الثانية، "عُمر الزّبد"، متململة، حائرة، مكتوية بنار الألم. هذه التجربة وَسَمَت نتاجها، منذ البداية، بطابع خاصّ، وصولاً إلى مجموعتها الأخيرة "محفوظات عاطفيّة لحرب لبنان" (1982). توفّيت ناديا تويني في العام 1983، ونُشرت لها بعد وفاتها مجموعة شعريّة بعنوان "الأرض المتوقّفة"، عن دار "بِلفون" الباريسيّة، وأَصدرت "دار النهار للنشر" في بيروت، ضمن سلسلة "تراث"، أعمالها الشعريّة الكاملة.
في المجموعة الأخيرة التي صدرت عن دار "فوبير" الباريسيّة في العام 1982، كانت الشاعرة تعاني من مرضين اثنين: السرطان الذي ينهش جسدها والحرب الأهليّة التي تدمّر بلدها. كتبت في تلك المرحلة تقول: "لقد سبقَ لي أن نجوتُ من الموت، ويبدو أنّها كانت بطولة. هذه المرّة أنا مريضة، مريضة جدّاً. وما هَمّ؟ أنا أنتمي إلى بلد ينتحر كلّ يوم بينما يقتلونه. في الحقيقة، أنا من بلد مات مراراً، فلماذا لا أموت أنا أيضاً بهذه الميتة الناهشة والبشعة، البطيئة واللئيمة، هذه الميتة اللبنانيّة؟".
هذا النَّهش المتواصل قرأتُه في شعرها، كما سمعته في صوتها، ذات يوم في مكاتب "النهار العربي والدولي" في باريس، وكما رأيته في نظراتها في الصورة التي تظهر فيها وهي تُعاين جانباً من أطلال بيروت خلال الحرب، وكانت إحدى الصُوَر التي التقطها نبيل إسماعيل، في العام 1980، أثناء تصوير الفيلم الوثائقي، "هَمَسات"، للمخرج السينمائي الراحل مارون بغدادي. في هذا الفيلم، تطلّ ناديا تويني بمعطفها الأسود الطويل وهي تجوب شوارع بيروت بعد زهاء خمس سنوات على اندلاع الحرب.
انتهت الحرب لكنّها لم تنتهِ. لم تنتهِ طالما أنّ أمراءها ظلّوا في الحكم: ينهبون ويستبيحون ويَقتلون، أو يُغَطُّون بصمتهم قتلَ كلّ صوت حرّ. قادة الميليشيات الذين تصدّروا المشهد السياسي خلال عقود يمكن اختصار وجودهم في عبارة واحدة: أكبر كمّيّة من الفاسدين المجرمين في أصغر بقعة من العالم. لا تنتهي الحرب مع أفراد عصابة لا تزال تجد من يُصَوِّت لها، بعد كلّ ما حدث ويحدث.
حين كتبت ناديا تويني: "كلّ فكرة في بيروت تَسكن داراً"، كانت لا تزال تراهن على بيروت بصفتها مدينة التعدُّد والأفكار، فبيروت، بالنسبة إليها، وكما ورد في مجموعتها: "لبنان: عشرون قصيدة من أجل حُبّ"، هي "الملاذ الأخير في الشرق حيث يمكن الإنسان دائماً أن يرتدي النور"! ولم تكن الشاعرة تدرك ما بإمكان أصحاب الفكرة الواحدة المُطلَقة أن يفعلوا. ولو كانت ناديا تويني بيننا، الآن، لكانت رأت أنّ شيئاً لم يتغيّر في البلد المنكوب منذ قرابة نصف قرن، بل لكانت تبيَّنت حالة الاهتراء المتقدِّمة التي جعلت المدينة لا تتعرّف فيها على نفسها، ولا أولئك الذين يُغَرِّدون خارج السرب يتعرّفون على أنفسهم.
كان لبنان هاجسها الأكبر، وكان البلد المريض الذي تتماهى معه، والذي أحبّته حتى الرمق الأخير. تقول في "محفوظات عاطفيّة لحرب لبنان: "أحببني اليوم/ كما يُحَبُّ أولئك الذين يرحلون"... والتي رحلت - لكنّها حاضرة من خلال كلماتها ومن خلال الحبّ الذي نثرته فوق جروحٍ لم تلتئم - نعاها أنسي الحاج بقوله: "لقد عاشت ناديا تويني أكثر من الأحياء وماتت أكثر من الموتى، كجميع الشعراء، وسبقتنا في الرحيل".