قدراتك المعرفية في طفولتك تؤشّر إلى إصابتك بالخرف مع العمر

4 دقائق للقراءة

إلى أي حد يؤثر التعليم والمكانة الاجتماعية والاقتصادية على مهارات التفكير والذاكرة مع مرور الوقت؟ تكشف دراسة جديدة أن هذه العوامل ليست مؤثرة بقدر ما نظن...
وفق البحث الجديد، قد تشير القدرة المعرفية في عمر الثامنة إلى خطر الإصابة بالخرف مستقبلاً.
كانت الدراسة تهدف إلى تحليل العوامل التي تؤثر بالأداء المعرفي، أي القدرة على التفكير المنطقي والإدراك والتذكر على مر الحياة.
من خلال فهم تلك العوامل المؤثرة، أراد الباحثون أن يُسلّطوا الضوء على الظواهر التي تُمهّد للتراجع المعرفي في مرحلة لاحقة من الحياة، بما في ذلك الإصابة بمرض الزهايمر أو أشكال أخرى من الخرف.
قد يؤدي الخرف إلى تراجع القدرة على حل المشاكل واسترجاع الذكريات والتكلم والتفكير. حتى أنه يعيق القدرة على إتمام المهام اليومية في أكثر الحالات حدة.
لكن ماذا لو اكتشفنا طريقة لفهم العوامل التي تؤثر على ذلك التراجع المعرفي؟ يمكن كبح الخلل المعرفي من خلال توقع العناصر التي تنعكس على الصحة المعرفية في مراحل متقدمة من الحياة.
نُشر تقرير عن الدراسة حديثاً في مجلة "علم الأعصاب"، حيث قارن الباحثون نتائج اختبارات التفكير والذاكرة لدى المشاركين في عمر الثامنة والسبعين.
بلغ عدد المشاركين 502، ووُلدوا جميعاً في الأسبوع نفسه من العام 1946، وخضعوا لاختبارات معرفية في عمر الثامنة، ثم بين عمر 69 و71 عاماً.
كان العلماء يبحثون بهذه الطريقة عن العوامل التي تستطيع توقع أداء التفكير والذاكرة مستقبلاً، على غرار مستوى التعليم والمكانة الاجتماعية والاقتصادية.
يقول المشرف الرئيس على الدراسة، جوناثان شوت، من جامعة "كوليدج لندن"، بريطانيا: "إيجاد تلك المؤشرات ضروري. إذا تمكّنا من فهم العوامل التي تؤثر على الأداء المعرفي في مراحل متقدمة من الحياة، قد نُحدد الجوانب القابلة للتعديل ونحاول تغيير طريقة التعليم أو أسلوب الحياة، عبر الرياضة أو الحمية الغذائية أو النوم، ما يؤدي في المقابل إلى تباطؤ التراجع المعرفي".
خضع المشاركون لمجموعة اختبارات لقياس مهارات مثل الذاكرة، واللغة، والتوجيه، والتركيز. في اختبار يشبه آخر خضعوا له في طفولتهم، طُلِب منهم أن ينظروا إلى أشكال هندسية ويحددوا القطعة المفقودة من بين خمسة خيارات.
أخذ الباحثون بالاعتبار عوامل الجنس، والقدرات الفردية في الطفولة، والتعليم، والمكانة الاجتماعية والاقتصادية (حددوها بحسب مهنة كل مشارك في عمر الثالثة والخمسين).
فاكتشفوا أن قدرات التفكير خلال الطفولة تتطابق مع المعدلات المسجلة بعد أكثر من 60 سنة. حافظ كل من احتل المراتب الأولى بنسبة 25% في طفولته على المكانة نفسها في عمر السبعين مثلاً. كذلك، تفوقت النساء على الرجال في سرعة التفكير واختبارات الذاكرة.
كان التعليم عاملاً مؤثراً أيضاً. سجّل حاملو الشهادات الجامعية مثلاً معدلاً يفوق من تركوا المدرسة قبل عمر السادسة عشرة بنسبة 16%. في المقابل، لم تؤثر المكانة الاجتماعية والاقتصادية على الأداء المعرفي بدرجة ملحوظة. على سبيل المثال، تذكّر المحترفون حوالى 12 تفصيلاً من قصة معينة، بينما تذكّر كل من يزاول مهناً يدوية 11 تفصيلاً.
على صعيد آخر، خضع المشاركون لمسوحات مفصّلة عبر التصوير بالرنين المغناطيسي والتصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني بحثاً عن صفائح البيتا أميلويد في الدماغ (إنها مؤشرات مرض الزهايمر). تجدر الإشارة إلى أن الزهايمر يُعتبر النوع الأكثر شيوعاً من الخرف، ويشكّل بين 60 و80% من جميع الحالات.
لاحظ الباحثون تراجع علامات من يحملون صفائح البيتا أميلويد في الاختبارات. خلال اختبار البحث عن القطع المفقودة مثلاً، سجّل هؤلاء المشاركون علامات أقل من غيرهم بنسبة 8%. كذلك، لم يرصد العلماء رابطاً بين وجود تلك الصفائح والقدرات المعرفية خلال الطفولة، أو المكانة الاجتماعية والاقتصادية، أو التعليم، أو الجنس.
يوضح شوت: "استنتجت دراستنا أن الاختلافات البسيطة في التفكير والذاكرة تزامناً مع وجود صفائح الأميلويد في الدماغ يمكن رصدها لدى كبار السن قبل سنوات من ظهور الأعراض لدى الأشخاص المحكومين بالإصابة بالخرف. لذا لا بد من متابعة هؤلاء الأفراد وإجراء دراسات مستقبلية لاستعمال هذه النتائج بأفضل طريقة وتوقّع مسار تغيّر التفكير والذاكرة بدقة إضافية مع التقدم في السن".
لكن تبقى الدراسة محدودة لأن جميع المشاركين فيها كانوا من أصحاب البشرة البيضاء. لهذا السبب، يصعب تعميم النتائج على مجموعات سكانية أخرى.