عيسى مخلوف

العُنف الخَصيب!

4 دقائق للقراءة

العنف الذي تجلّى، طوال الأيّام الماضية، في نَحر عدد من النساء، وسط صمت عربي مديد وهائل، هو جزء من ظاهرة عامّة تعكس واقع الممارسات السياسيّة والاجتماعية والثقافيّة في مجتمعات لا وجود للإنسان الفرد فيها إذا لم يكن تابعاً وخاضعاً لهذا التقليد ولتلك السلطة، ومن لا ينصاع لمشيئتهما مهدَّد بالقتل. تاريخٌ بأكمله قائم على تُهْمَتَين لتبرير الاعتداء على الصوت المختلف الذي يتجرّأ ويختار اتجاهاً آخر لا يتوافق مع القطيع: التكفير والتخوين. في هذا السياق، يُسجَن أو يُقتَل شخص من أجل أفكاره، ولأنه يناهض القيود والسجون والأوامر والنواهي.

إذا كان الردّ العنيف على موقف سياسي أو فكري يحتاج إلى اتهامات وتبريرات، فالموقف السلبي من المرأة، في العالم العربي، جاهز مسبقاً، وهو في انتظارها منذ الولادة. كلّ شيء، هنا، يمهّد لاستباحتها وتدميرها، فهي ضحية الثقافة السائدة في مجتمع يسجنها في صورة جسدها وينظر إليها بصفتها رمزاً للشرف القومي والشخصي. هي أيضاً ضحية الأسرة بسبب قانون الأحوال الشخصية القائم على التمييز ضدّها ومعاملتها كمواطن من الدرجة الثانية وفرض الوصاية عليها واعتبارها دائماً كائناً دونيّاً قاصراً، قائماً بغيره لا بذاته. وهي ضحيّة برامج دينيّة وتفسيرات فقهيّة (الفقه الذكوري) لا تتعاطى معها ككائن حيّ. ضمن هذه الذهنيّة المفرطة في انغلاقها وتَخَلُّفها، يأتي قتل النساء ليفضح حقيقة مجتمعات لم تتخلّص بعدُ من أفكار جاهزة متراكمة منذ قرون وتتعذّر زحزحتها في ظلّ سلطة سياسيّة تقوم على العنف وتوظيف الدين، ولا تؤمن بحقوق الإنسان، وخصوصاً حقوق المرأة.

تطالعنا ثقافة التمييز ضدّ المرأة في مجالات الحياة اليوميّة كلّها، من الأفلام السينمائيّة والمسلسلات التلفزيونية، والنكات السمجة المبتذلة، وكتب القواعد (التي تربط تدريس اللغة العربيّة، في الكثير من الدول العربيّة، بالموضوع الديني والثقافة الذكوريّة)، كما تطالعنا في المعاجم والقواميس العربية. وإذا فتحتم بعضها، كـ"قاموس المعاني"، على فعل "كادَ"، المرادف للمكر والخبث والاحتيال، فستجدون الآتي: "كادَ فلاناً: مكرَ به وخدعه واحتال عليه. كاد لعدوّه/ كَيدُ النساء...". وفي "المنجد الأبجدي": "جَمَحَ: جَمحاً الفرَسُ: تغلّبَ على راكبه وذهب به لا ينثني/ استعصى/ جمَحَت المرأةُ زوجَها..."، ونقرأ في فعل "طمح": "طمحت الدابّة: نَشَزَت وجَمَحَت/ طَمَحَت المرأةُ على زوجها: جَمَحَت"...

هذه الأسباب وغيرها الكثير حالت دون انتقال المجتمعات العربيّة إلى العصر الحديث. وما طرحه فيلسوف قرطبة، ابن رشد، منذ أكثر من ثمانية قرون، بخصوص وضعيّة المرأة، يؤكّد على وعي خطورة هذا الموضوع وإشكاليّاته الفكريّة والسياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة، والتي لا تزال قائمة، حتّى الآن، في معظم المجتمعات العربيّة والإسلاميّة.

يزداد الوضع حدّةً في الأمكنة التي يسودها الفقر واللامساواة والتفاوت الاجتماعي الصارخ، وهنا أيضاً تزداد النسب الأعلى لقتل النساء، كما الحال في الهند حيث "تُحترَم البقرة أكثر ممّا تُحتَرَم المرأة". والقتل يذهب أبعد من التصفية الجسدية، ويتجسّد في القتل المعنوي والرمزي، وهو قتل يومي بطيء ومُذِلّ يمارَس يومياً ضدّ الكثير من النساء، وفي مقدّمتهنّ المخطوفات واللاجئات والسجينات والمعذّبات والمعتدى عليهنّ حتّى داخل بيوتهنّ.

تقتضي الإشارة، هنا، إلى أنّ العنف لا تجسّده فقط أنظمة الاستبداد وحركات التطرّف الديني، بل يظهر أيضاً في سلوك نمارسه يوميّاً، وأحياناً مع أقرب المقرّبين. نلغي الآخر، فجأةً، إذا لم تتّفق أفكاره مع أفكارنا. نلغيه في وجوده وفي إنسانيّته. أي أنّنا لم نصل بعدُ إلى مرحلة تجعلنا، ندافع، إنسانيّاً، عن الآخر، مهما اختلفت آراؤنا. وبدل أن يكون الاختلاف مصدر غنى وتعدُّد وتنوُّع، يصبح مصدرَ حقد ومبرّراً للعنف الذي يستتبعه.

لكن، يبقى أنّ التعامل مع المرأة هو "بارومتر" لقياس تقدُّم المجتمع أو تخلّفه. في كتابها "حدائق النساء"، تتحدّث الكاتبة المصرية فريدة النقاش عن نتائج بحث حول العنف ضدّ النساء، وأجاب ما يزيد عن 70 في المئة من الرجال أنّه من الضروري، في بعض الأحيان، ضرب الزوجة "لتربيتها"، ومن بين هؤلاء الرجال قضاة ومحامون وأساتذة جامعات وصحافيّون ومدرّسون. المرأة، في تصوُّر هؤلاء، وأمثالهم أينما كان، جزء من ملكيّة الرجل. إنّها شيء من أشيائه ومن حقّه أن يكسرها ساعة يشاء. وكم تحتاج مواجهة هذا الموضوع إلى إعادة نظر كاملة في الذهنيّات والتقاليد السائدة، وإلى التعليم وفق مناهج علميّة حديثة تؤمن بالنقد وحرّيّة الرأي والسؤال، لا بالإجابات الأبديّة الجاهزة.