"مؤسّسة الكاتب الفرنسي أنطوان دو سانت إكزوبري للشبيبة" تحتفل هذا الشهر بمرور عشر سنوات على تأسيسها. تقوم هذه المؤسّسة بعمل ريادي وتتمحور نشاطاتها حول مساعدة الشابّات والشباب، في فرنسا وفي مناطق أخرى من العالم، في بناء مستقبلهم وتهيئة الظروف الملائمة لبلوغهم النضج المعرفي والثقافي. وهذا ما يؤكّد اليوم أنّ الرسالة الإنسانية لسانت إكزوبري لا تزال تشكّل، بعد 75 عاماً على غيابه، مصدر وحي واستلهام، خصوصاً في ما يتعلّق بالحوار بين الثقافات والحثّ على التضامن والوعي البيئي وسؤال الهويّات.
سانت إكزوبري، المولود في العام 1900، كان كاتباً وشاعراً وطيّاراً. وفي الحرب العالمية الثانية، انخرط في السلك العسكري، وكُلّف القيام بمهمّات استطلاعيّة. في الحادي والثلاثين من شهر تموز من العام 1944، اختفت طائرته في عرض البحر، قبالة مدينة مرسيليا، ولم يتمّ العثور على حطامها إلاّ بعد قرابة النصف قرن. لقد كان رحيله الفاجع، وهو لا يزال في أوج عطائه، التجسيد الأقصى لتصوُّره للكتابة: "لا نكتب إلاّ المجازفة التي عشناها". وهو كتبها بموته، كما كتبها بحِبر حياته وتجربته القاسية، وتطالعنا هذه التجربة في معظم كتبه، من "بريد الجنوب" و"طيران الليل"، إلى "الأمير الصغير"، حيث يجد نفسه الراوي، في الصفحات الأولى من هذا الكتاب، وسط الصحراء بعد هبوط اضطراري فيها بسبب عطل مفاجئ أصاب محرّك الطائرة التي كان يقودها. هناك، عند حدود الواقع والخيال، التقى المؤلّف أميره الصغير بعينيه المندهشتين وشعره الذهبي، بطل كتابه الذي حقّق فور صدوره في الولايات المتحدة الأميركيّة العام 1943، ثمّ في فرنسا العام 1946، انتشاراً عالمياً واسعاً.
يُعَدّ كتاب "الأمير الصغير"، بعد الكتب الدينيّة، أكثر الكتب التي تُرجمَت في العالم، وبلغ عدد ترجماتها قرابة الأربعمئة، ومن بينها الترجمة العربيّة المُتقنة التي تحمل توقيع الشاعر اللبناني يوسف غصوب. وما جعل الكتاب أحد أساطير الكتابة في القرن العشرين أنّه، بالإضافة إلى بنيته الفنية المُستحدَثة، متجذّر في النزعة الإنسانيّة التي جعلته ينتقل من جيل إلى آخر. هذا الكتاب الذي يحيل إلى الدهشة والحكمة، ويعكس حسّاً شاعرياً، ويغوص في تأمّلات فلسفية في الحياة والعالم، التفت إليه عدد كبير من الكتّاب والفلاسفة وأشاروا إلى أهمّيّته، ومنهم الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر. ومن العبارات التي وردت فيه، نذكر، على سبيل المثال: "لا نرى جيّداً إلاّ بواسطة القلب. الجوهر لا تراه العيون"، "اللغة هي مصدر سوء الفهم"، "ما يُجَمِّل الصحراء هو أنها تخفي، في مكان ما منها، بئر ماء". في تجواله في الصحراء، يدرك الأمير الصغير أنّ ما يجعل النجوم جميلة هو وجود زهرة "لا نراها"، لكنه وجدها أخيراً، وحيدة بين كثبان الرمل وتتألّف من ثلاث بتلات فقط. اتجه إليها وحيّاها، فردّت التحيّة. سألها عن البشر. "أين هم؟" وهل صادف أن رأت أحدهم؟ فأجابته أنها رأت بعضهم منذ سنوات، وكانوا في قافلة تَعبُر. وأضافت: "لكننا لا نعرف أبداً أين نجدهم. الريح تأخذهم من مكان إلى آخر. وهم يفتقدون إلى جذور...".
وعن الطفولة، نسمع الكاتب يقول: "جميع البالغين كانوا أطفالاً، لكن قلّة منهم تتذكّر ذلك". وفي كتابه "الطيّار الحربي"، تطالعنا عبارة تختصر عمق رؤيته للطفولة: "الطفولة هي هذه الأرض العظيمة التي خرجنا منها جميعاً. من أين أنا؟ أنا من طفولتي كما لو أنّي من بلد ما". تنطوي هذه العبارة على دعوة إلى إيجاد الفردوس المفقود، الينبوع الأوّل الذي يكمن فيه سرّ الكتابة والقراءة. ألا يقول مارسيل بروست أيضاً في "الزمن المُستعاد" إنّ "الفراديس الحقيقيّة هي الفراديس التي فقدناها"؟
كتاب "الأمير الصغير" المزيّن برسوم مائيّة أنجزها سانت إكزوبري بنفسه لم يشغل الأطفال الصغار فقط، بل مسّ بسحره البالغين أيضاً، فضلاً عن أنه ترك أثراً لدى الكتّاب والفنانين الذين استوحوا كتابات ورسوماً من أجوائه ومناخاته. وأصبحت رسومه البسيطة والمعبّرة من الرموز العابرة للقارّات. ولقد استلهم منها أخيراً المتظاهرون في لبنان رسماً يمثّل الأمير الصغير محاطاً بالكواكب الصغيرة وهو يتأمّل في زهرة عليها علَم لبنان، ولسان حاله يقول: "أعرف بلداً فريداً من نوعه في العالم".
إنه البلد الفريد من نوعه في العالم بالفعل، ككلّ بلد يثور ضدّ الظلم والطغيان.