تحوّل قصرالعدل في بيروت في يوم انتخاب النقيب وأعضاء مجلس النقابة إلى قصر للثورة. واحتفل محامو بيروت بفوز نقيبهم الجديد المحامي المستقلّ ملحم خلف، في انتصار هو الأول للثورة داخل النقابات. صرخات الاحتفال وأصوات التصفيق اخترقت جدران القصر. ليهتف بعدها محامون "ثورة ثورة ثورة" و"هيلا هيلا هيلا هيلا هو... الأحزاب برا يا حلو". وبينما وعد خلف بعد فوزه بالعمل على تحقيق "العدالة التي نحلم بها"، أكد منافسه ناضر كسبار أنه مستقل "أباً عن جد". وكأن كسبار بذلك ينفي تهمة ألقتها عليه الأحزاب بإعلان تأييدها له وطلبها من مؤيديها انتخابه لرئاسة النقابة. أما النقيب السابق أندريه الشدياق فظهر وكأنه يُعزل من منصبه، وكأنّ يوم الانتخاب يوم محاكمة له، لتعلو في القاعة صرخات التنديد بشدياق أثناء تسلّم خلف منصبه.
وقوف معظم الأحزاب في مواجهة خلف لم يمكّنها من إسقاطه، ففاز بمركز النقيب وحصل على 2341 صوتاً بمقابل 1532 صوتاً لكسبار. وكان قد فاز في عضوية نقابة المحامين في بيروت كل من: ملحم خلف بـ2062 صوتاً، بيار حنا 1703 أصوات، سعد الدين الخطيب بـ 1699 صوتاً، وناضر كسبار بـ 1681 صوتاً وابراهيم مسلم بـ 1480 صوتاً. وتظهر النتائج أن كسبار قد نال أصواتاً أقل بعد دعم أحزاب له. هذه النتيجة يفسّرها محامون بعدم التزام المحامين المؤيدين للأحزاب بتعاميمها، كذلك يرون فيها تعبيراً عن رغبة حقيقية بالتغيير. كما رأى محامون في سحب "التيار الوطني الحر" مرشحه لعضوية النقابة ومركز النقيب، جورج نخلة، خوفاً من تلقي هزيمة كبيرة جراء الجو العام المناهض للتيار. واكتفى نخلة بتبرير انسحابه بـ"أسباب تتعلق بالوضع العام في البلاد". كذلك اعتبر محامون أن أحزابا حاولت الالتفاف على الثورة وظنّت أنها بانسحاب مرشحيها من انتخابات النقيب وتأييدها لكسبار ولو لأسباب "بترونية"، ستلحق الهزيمة بخلف وستمنع المستقلين من تحقيق إنجاز. إذ كانت تتوقع فوز كسبار وتتجهز لنسب هذا الفوز لها لتظهر وكأنها هزمت الثوار وحافظت على شعبيتها.
المعركة الحقيقية بدأت
وبعد فوزه، أكد خلف أن نقابة المحامين هي رافعة الوطن، ووجه تحية إلى عشاق الديمقراطية التي تتحلى بها النقابة. وأمل أن يكون مشهد العرس الذي عشناه اليوم ممتداً على الوطن بكامله. وأكد النقيب المستقل استمرار نقابة المحامين الحصن المنيع للحرية العامة ولحقوق الناس واعداً بأن تكون الحجر الأساس لقيام الدولة العادلة التي نريدها. "نريد الدولة التي تقبل ولا تخشى من تداول السلطة، أمّا إنتخابنا اليوم فهو لأنّنا نؤمن أنّ نقابة المحامين رافعة الوطن".
وكمن يحتفل بتحرير نقابته من الاحتلال، احتفل المحامون بتحرير نقابتهم من هيمنة الأحزاب، فهتفوا " نقابتنا حرة حرة". وغصّ مكتب النقيب الجديد بمئات المحامين المهنئين. بعد تهنئة نقيبهم المستقل توجه المحامون المستقلون إلى ساحة رياض الصلح لاستكمال احتفالهم في قلب ساحة الثورة. وكما على الأرض كذلك على مواقع التواصل الإجتماعي، عبّر الثوار عن فرحهم بالنصر الجديد الذي حققوه، واعتبروا أنهم تمكنوا من هزيمة الأحزاب مجتمعة، والتي توحدت ضدهم كما في كل مرة تهدد مصالحها، لتدعي في ما بعد الاختلاف. واعتبر بعض الثوار أن معركة خلف الحقيقية بدأت الآن بعد أن أصبح نقيباً، داعين اياه لمواجهة جميع الضغوط التي ستمارس عليه لمنعه من العمل. ورأى بعض الثوار في نتائج انتخابات نقابة المحامين دليلاً على حدوث تغيّر يستدعي المطالبة بإجراء انتخابات نيابية مبكرة. وقبل بدء الانتخابات، انتشر فيديو على مواقع التواصل الإجتماعي للمحامية ماريانا برو وهي تتوجه إلى مجلس النقابة والنقيب السابق أندريه الشدياق، لتعبر عن صدمتها من أدائه وأداء مجلس النقابة السابق، ومن محاربة النقابة للمحامين الذين فضحوا الفساد وتكلموا بالحق. واتهمت برو النقابة السابقة بعدم اتخاذ المواقف اللازمة بعد تعرض محامين للإذلال من قبل قضاة. كما لامت المحامية نقابتها السابقة لعدم اتخاذها موقفاً من الثورة بل لوقوفها إلى جانب السلطة بدل الوقوف إلى جانب الشعب، ومنع سحب التكليف عن محامي الحراك لمنعهم من الدفاع عن موقوفين وتكليف محامين تابعين للأحزاب بدلاً منهم.
سيرة ملحم خلف
لخلف تاريخ مهني حافل، وهو الحائز على شهادة الدكتوراه في القانون بموضوع "المعلوماتية القانونية وتطبيقها في مجال قانون الإرث وفق الشرع الإسلامي" من جامعة مونبيليه الفرنسية. ويبشر تاريخ النقيب الجديد خيراً لناحية العمل على تحسين صورة النقابة واسترجاعها دورها، بعد الصورة السلبية التي ساهم برسمها النقيب السابق الشدياق وتململ مئات المحامين منه. ففي السنوات الثلاثين الماضية عمل خلف على تحصين السلم الأهلي والعيش معاً. وأسس في العام 1985 جمعية "فرح العطاء" وطور أعمالها في عدة دول عربية وأجنبية. وشارك خلف كعضو في لجنة تحديث القوانين لدى وزارة العدل وكعضو في اللّجنة الوطنية اللبنانيّة لدى الأكاديمية الدولية للقانون المقارن في لاهاي - هولندا. كما انتخبته الجمعية العموميّة للأُمم المتحدة عضواً في اللجنة الدولية للقضاء على التمييز العنصري في جنيف سنة 2015، وانتُخب نائباً لرئيس هذه اللجنة سنة 2017. إضافة إلى هذه الإنجازات يعمل خلف أستاذاً في جامعة القديس يوسف منذ العام 1990، ويُشارك في مناقشة أُطروحات لمنح درجة دكتوراه في القانون في جامعات لبنانيّة وفرنسيّة.