المنطق واقف على رأسه: مسيّرات "حزب الله" يراد لها أن تصبح القصة الأساسية، ومفاوضات ترسيم الحدود البحرية مجرد تفصيل فيها. و"الحزب" غاضب على الرئيس نجيب ميقاتي والوزير عبدالله بو حبيب اللذين يحاولان التبرير وما يشبه الإعتذار بسبب "إضطرارهما" لإصدار بيان يرفع الحرج عن السلطة الرسمية، بدل حدوث العكس. كأن "حزب الله"، وليس لبنان، هو محور الحياة الوطنية والأحداث، بحيث يبدو ما يفعله هو مقياس الحكم على المواقف. وكأن هناك شيئاً إسمه مساعدة المفاوض اللبناني بعمل على توقيت إقليمي من دون تنسيق أو تشاور حتى مع الحليف المشرف على التفاوض بوساطة أميركية. لا بل كأن العداء لإسرائيل يكفي وحده ليكون بوليصة تأمين لفعل أي شيء لا علاقة له بالمقاومة من دون حساب. أليس هذا ما فعلته الإنقلابات العسكرية والأنظمة العربية التي لعبت ورقة فلسطين وأخذت الحرية بحجة المواجهة مع العدو فلم تحرر فلسطين، ولا جاءت بالخبز للناس؟
ذلك أن مواجهة إسرائيل ليست البعد الوحيد لدور المقاومة الإسلامية في لبنان. ولم تكن كذلك حتى عندما قام "حزب الله"بعمليات مقاومة ناجحة أجبرت المحتل على الإنسحاب من الجنوب اللبناني. ولا فصل بين هذا البعد وبين ثلاثة أبعاد أخرى: بعد محلي قوامه الإمساك بمفاصل السلطة من دون توليها بشكل كامل، وضرب أية إنتفاضة شعبية سلمية كما حدث في "ثورة 17 تشرين"، وحراسة التركيبة السياسية الفاسدة، بصرف النظر عن الدوافع. بعد إقليمي هو العمل ضمن "جبهة المقاومة" التي وصفتها صحيفة "كيهان" بأنها "أهم إنجاز لثورة الخميني" تضم مجموعة من "أحزاب الله" بأسماء مختلفة في العراق وسوريا واليمن ولبنان، مرتبطة بفيلق القدس والمشروع الإقليمي الإيراني. وبعد دولي هو المساهمة في المجهود الإيراني لإخراج أميركا من "غرب آسيا".
كل هذه الفصائل "جنود في جيش المهدي". وكل هذه الأبعاد في خدمة ولاية الفقيه، أي إقامة نظام ديني في القرن الحادي والعشرين، "يصحح" التاريخ منذ العصر الإسلامي الأول. وليس دور "حزب الله" الذي يتسلح بما لا يملكه الجيش اللبناني تحت شعار الإستعداد لمواجهة أي إعتداء إسرائيلي. ودوره في سوريا والعراق واليمن والتفاهم مع "حماس" في غزة والمخيمات هنا سوى أجزاء في مهمته بوصفه "جوهرة التاج" في مشروع الملالي. وبين هذه المهام توتير علاقات لبنان مع السعودية والإمارات بشكل خاص، وسحب البلد نهائياً من موقعه العربي الى "محور الممانعة". والكل يعرف أن ما يسعى له الأشقاء العرب والأصدقاء الدوليون هو إخراج لبنان من هاوية أزمات مالية وإقتصادية وسياسية ووطنية، وإنقاذه من بين فكيّ الجمهورية الإسلامية.
يقول محمد أركون "إن فكرة الدولة الدينية جرى رفضها أيام النبي". فكيف تقوم وتنجح في القرن الحادي والعشرين.